دراسات/مقالات

مفهوم الحريّة في فلسفة أنطون سعاده: امتياز إنسانيّة الإنسان – المجتمع في إبداع عزّه وقيم حياته

يوسف المسمار / كاتب وشاعر قومي مقيم في البرازيل

كثر الحديث عن الحرية والحريات، والمنظّرون يتكاثرون يوماً بعد يوم والغالبية الساحقة من المنظّرين يرون أنهم يملكون ناصية الحق والصواب، والقلّة النادرة منهم تعترف بحدودها وتقف عندها وتسعى إلى معرفة أعمق وأوسع وأبعد مدى.

وبما أنّ مفهوم أيّة قضية من قضايا الفكر يخضع إلى النظرية التي تنطلق منها أي من نظرة إلى الوجود والحياة والكون، ودور الإنسان في الوجود والحياة والكون، وتصوّره المنبثق من النظرة إلى مستقبل الوجود والحياة والكون، ورسالته ومهمته في فهم الوجود والنهوض بالحياة وسبر أغوار الكون وإبداع ما تمكّنه مواهبه من إبداعه للوصول إلى ما هو أجود وأحسن وأصلح وأجمل، فإن أي مفهوم يظل مقيّداً بالنظرة الفلسفيّة الأساسيّة التي انطلق منها، وهي أن الوعي السليم شرط ضروري للمعرفة والفهم، فالانطلاق من نظرة غيبيّة غير الانطلاق من نظرة وجودية، والارتكاز إلى فلسفة جزئيّة غير الارتكاز إلى فلسفة شاملة. والاعتماد على فلسفة فردية غير الاعتماد على فلسفة اجتماعية، والأخذ بنظريّة افتراضيّة غير الأخذ برؤية واضحة للواقع الإنساني الطبيعي. ولذلك فإن مفهوم أية قضية يتدرج من الفهم الفردي إلى الأسري إلى العشائري فالمكاني فالإثني فالتكهّني الغيبي فالطائفي فالملّي فالديني الماورائي إلى الاجتماعي الإنساني، إلى غير ذلك من التجمهرات والتجمعات… ولذلك فإن مفاهيم الحرية ليست واحدة ووحيدة المعنى والاصطلاح والقصد عند الجميع.

دعائم وقواعد وقيَم

الحرية والواجب والنظام والقوة، هي “رموز الحزب السوري القومي الاجتماعي الأربعة التي تعبر عن تاريخ الحزب وتاريخ الأمة السورية الحقيقي والتي هي الدعائم الأساسيّة لقيام النهضة” كما قال سعاده. وهذه الرموز دعائم أساسية حقيقية تشكل وحدة متينة متماسكة لا تجوز تجزئتها تحت أي ظرف كان، حتى لا تتشوّه وتتعرّض لبلبلة المفاهيم واستنسابية الأذواق وتُفرَّغ من جوهرها القيمي. وعن القيم يقول سعاده: “الحق والخير والجمال، قيَم اجتماعية. الحق انتصار على الباطل في معركة إنسانية، وليس في معركة غيبية تجري وراء هذا العالم، ولا يشترك فيها الإنسان – المجتمع الإنساني”.

الحريّة مفهوم نهضويّ

تعددت مفاهيم الحرية بتعدد الدارسين والباحثين، وتنوّعت وتتنوّع بتمايز وتنوّع الجماعات والبيئات والأزمنة ومستويات حضارات الشعوب واختلفت مفاهيمها وتختلف باختلاف مُعرّفيها ومنطلقاتها.

إلا أن الجديد عندنا هو الرؤية الجديدة للإنسان والحرية التي حدّدها أنطون سعاده في نظرته إلى الحياة والكون والفن. وهي نظرة شاملة كل مظاهر الحياة الماديّة – الروحيّة، بمعنى أنها نظرة العقل المجتمعي الإنساني… وقد قال سعاده: “العقل في الإنسان هو نفسه الشرع الأعلى والشرع الأساسي. هو موهبة الإنسان العليا، هو التمييز في الحياة. فإذا وُضعت قواعد تبطل التمييز والإدراك، تبطل العقل فقد تلاشت ميزة الإنسان الأساسية وبطل أن يكون الإنسان إنساناً”.

لذلك، نحن لا نقول بوجود حرية مستقلة بذاتها، لأن الحرية الحقيقية كما نفهمها ليست حرية العدم بل حرية الوجود، الوجود الإنساني الكامل، الإنسان- المجتمع الذي هو مقياس كل الأشياء، ومُتجَه كل القيم.

 

الإنسان في المفهوم القوميّ الاجتماعيّ

قبل أن نوضح مفهومنا للحرية، علينا أن نوضح مفهومنا للإنسان الذي هو مصدر وجودها وغايتها وضمان استمرارها. لا وجود لحرية خارج الإنسان، ولا معنى لحرية افتراضيّة وهميّة في رؤوس كتّاب القصص، ورواة الحكايات، وفكاهات المهرّجين. الحرية هي ميزة يتفرّد بها الإنسان دون سائر المخلوقات، والإنسان بدون الحرية هو مخلوق آخر غير إنساني، وحيث يكون الإنسان تكون الحرية. وحيث لا يوجد الإنسان لا توجد الحرية، ومن يبحث عن الحرية خارج الوجود الإنساني المجتمعي لا يمكن أن نسمّيها إنسانية. والفرد الإنساني الذي لا يمارس حريته كإنسان اجتماعي ليس إنساناً حتى ولو كان له شكل إنسان. فالرسوم والصور والتماثيل والمجسّمات وسائر المنحوتات والألعاب تشبه هيئة الفرد الإنساني ولكنها ليست حرّة ولن تكون حرّة ولن تصبح حرّة حتى ولو نفخت فيها أنفاس ملايين البشر، وضُخّت فيها أعاصير الكون. الحرية إنسانية، وميزة الإنسانية الكبرى هي العقل وميزة العقل هي الحرية، وميزة الحرية هي الصراع في سبيل الأجود والأفضل للإنسان وهذه بداية الوعي والنهضة.

فإذا لم ننطلق من الوضوح ونفهم الإنسان فهماً صحيحاً لا التباس فيه فلن نصل أبداً إلى توضيح مصطلح الحرية وفهمه الفهم الصحيح وسنبقى نتخبّط في عالم فرضي وافتراضي هائج بالأوهام والظنون والمبهمات والخرافات.

قال العالم الاجتماعي والفيلسوف أنطون سعاده: “الذين ولدوا في عصر مظلم ولم ترَ أنفسهم النور قط لا يُرجى منهم أن يروا ببصائرهم العمياء الألوان والظلال والخطوط والأشياء والقيم والطرق وأشكال الحياة ومعانيها والمثل العليا التي اعتنقتها النفوس التي وُلدت في النور وسارت في النور”. هذا هو الواقع الطبيعي، وهذه هي الحقيقة التي تعني أول شعاع الحرية الذي يحرّر النفوس من البصائر العمياء ومن خرافات المبهمات وذلك بتفعيل البصائر البصيرة المبصرة الولادة والعيش والحياة والنموّ والنضوج والسير والفعل والإنتاج والإبداع في النور، لأن الإنسان لا ولن يكون حراً إلا في النور الذي يحرّره من كل أنواع الظلمات. فالنور هو بيئة الحرية، أمّا الظلمة فهي جحيم العبودية تُعمي النفوس ولن تكون فيها البصائر إلا عمياء.

إن العقل البشري هو البداية ولا يظننّ أحد أنه بغير العقل الإنساني الواعي السليم يمكن أن تكون هناك قيمة إنسانية يمكن تسميتها بالحرية.

الوضوح في فهم الإنسان هو الأساس

إن الواجب الأول في عملية التثقيف الذي قال به سعاده عيّنه بوضوح هو “يجب علينا أن نفهم هدفنا فهماً صحيحاً لنكون قوة فاعلة محققة، ولكي نتمكن من العمل المنتج، يجب أن نكون مجتمعاً واعياً مدركاً؛ وهذا لا يتم إلاّ بالدرس المنظم والوعي الصحيح”.

واستناداً إلى هذا الواجب الذي يركّز على الوعي والفهم الصحيحين والدرس المنظّم شدّد سعاده على الوضوح كل التشديد، فالوضوح هو النور الذي يُولد فيه المتنوّرون ويسيرون على الهُدى إلى تحقيق المقاصد الراقية والمُثُل العليا. الوضوح شرط أساسي للانتقال من حالة مظلمة لا نور فيها ولا تقدّم ولا رقيَّ، أي لا حرية فيها، إلى حالة جليّة يعمّها الجلاء وتتجه فيها البصيرة إلى الأهداف السامية والمُثُل، وهذا ما قاله في هذا الشأن المعلم انطون سعاده:

“كل لا وضوح لا يمكن أن يكون أساساً لإيمان صحيح، وكل لا وضوح لا يمكن أن يكون قاعدة لأي حقيقة من جمال أو حق أو خير. فالوضوح معرفة الأمور والأشياء معرفة صحيحة، هو قاعدة لا بدّ من اتباعها في أي قضية للفكر الإنساني والحياة الإنسانية”.

الحرية بنت الوضوح المتحرّر من المبهم الذي هو عبودية، والحرُّ هو المتحرّر من فوضى المبهمات وبلبلات الغموض.

 

نظرة سعاده للإنسان.. والنظريّات الأخرى

إن توضيح مفهومنا للإنسان يتطلّب بالضرورة، إيضاح نظرتنا إلى الحياة الإنسانية في نشوئها ونموّها وتطورها وارتقائها، وهذه النظرة هي نظرة أنطون سعاده التي انبثقت منها فلسفته المدرحية القومية الاجتماعية التي لها مفهومها الخاص في تفسير معنى الإنسان ومعنى الحرية الإنسانية ومعنى قيمة الحرية العليا وغيرها من القيَم.

وبما أن هذه الدراسة لا تتّسع لبحث اجتماعي وفلسفي كامل يفي الموضوع حقه من جميع جوانبه، فإننا نكتفي بالإشارة إلى نظريات استند إليها أو التزم بها النوع الإنساني وجماعاته الثقافية في خطوط وخِطط تفكيرها التاريخية التطورية، لنشير بعدها إلى نظرتنا الجديدة إلى الإنسان التي يمكن تسميتُها بالنظرة المجتمعيّة الإنسانيّة العقلية المادية – الروحية (المدرحيّة) أي النظرة القومية الاجتماعية التي ينبثق عنها مفهوم الحرية القومية الاجتماعية الإنسانية العقلية وغيره من المفاهيم. فالإنسان الاجتماعي العاقل هو الحرّ ولا وجود للحرية إلا بالعقل والوعي، والوجدان الاجتماعي التام.

أولاً: النظرة الروحيّة التكهنيّة الغيبيّة: هي نظرة تكهنية تصوّرية تقرر انبثاق “الوجود من العدم” ويرى أصحابها ودعاتها الإنسان في كمال وجوده فرداً، ويرون أيضاً البشر في كل بيئاتهم ومجتمعاتهم عائلة واحدة، وأن أصل البشر فرد واحد، ويتركز بنظرهم أساس المثال الأعلى للقيم الإنسانية في الأساس الغيبي الذي تكهَّنوه والذي جاءت القيم الإنسانية تعكس بحسب تكهّنهم بعضاً من إرادته، وتتحرك بأوامره تبعاً لنواميسه وقوانينه التي يخرقها بمعجزاته، ويعطّل سيرها حين ومتى يشاء. وهذه النظرة هي أرقى ما توصل إليه الإنسان قديماً في ثورته على بدائيته ووحشيته على الرغم من كونها نظرة ماورائية افتراضية تكهنية جزئية أدت إلى مفهوم فردية القيَم وماورائيتها، بحيث تكهّنت ورأت الحرية، مثلاً، حرية فردية، ورتبت على الفرد الإنساني مسؤولية تجاه قيم ماورائيّة مجردة تهيمن على كل تفكيره، وتسيطر عليه سيطرة تامة. وهذه النظرة تتعلق بمسألة نشوء النوع البشري التي كما ورد في كتاب سعاده “نشوء الأمم” “من المسائل التي شغلت عقل الإنسان منذ ابتدأ الإنسان يشعر بوجوده ويعقل نسبته إلى مظاهر الكون ونسبة هذه المظاهر إليه. فأخذ يتكهّن صدوره عن عالم غير هذه الدنيا يعود إليه بعد فناء جسده، ولم يكن هذا التكهّن الراقي في التصوّر مما تنبّه له الإنسان كما يتنبّه للموجودات الواقعيّة، بل كان درجة بارزة في سلّم ارتقاء الفكر سبقتها درجات من التخرّصات الغريبة”. وسعاده هو القائل: “كلنا مسلمون لله رب العالمين…” وقد تجاوز سقف الإيمان إلى الشعور والإحساس بوجود الله وقدرته: “أمي وبلادي ابتدأتا حياتي وستلازمانها إلى الانتهاء، فيا أيّها الإله أعني لأكون بارّاً بهما”.

قليلون هم الذين ارتفع إيمانهم إلى الإحساس بالخالق الذي هم في قلبه قبل أن يكون هو في قلوبهم ويحيطهم بعنايته (…). الإيمان بالله يبدأ بالتلقين والإقناع والاقتناع والشك والترغيب والإكراه ويمكن أن يتراجع ويتقهقر الإيمان إلى الريبة والشك بالتضليل والتشويه والجبر والترغيب والقهر. أما الإحساس المادي – الروحي (المدرحي) الصحيح فلا يتراجع ولا يتقهقر بل يعمق ويتسع ويمتد بلا حدود أو سقوف. فلا يخلطنّ أحد بين التكهُن والإيمان بالله، فقمّة الإيمان الصحيح بالله الذي هو الإحساس بالله الذي يجعل الإيمان مطلقاً لا تقهقرَ بعده.

ثانياً: النظرة الماديّة التكهنيّة الافتراضيّة: هي نظرة تصوّرية افتراضيّة تكهنيّة أيضاً تقرّر انبثاق الوجود من “تطور مادي تلقائي”. وقد رأى أصحابها ودعاتها وفلاسفتها الماديّون الإنسان في تمام وجوده أيضاً وجوداً فرداً، ورأوا البشر رغم تمايز وتميّز بيئاتهم ومجتمعاتهم مجتمعاً واحداً، واعتقدوا أن المثال الأعلى للقيَم الإنسانية بحسب مفهومهم، يتركَّز في الأساس المادي الديالكتيكي الجدلي الذي جاءت القيم الإنسانية تعكس بعضاً من جدليّته وتتحرك تبعاً لناموس تكَهُّن وافتراض حتميته الذي لا يخضع لتغيير إلا تغيير القانون الجدليّ.

وهذه النظرة كانت رد فعل على النظرة الروحية الغيبيّة الافتراضية التكهنيّة. فتناقضت معها من حيث النتائج الأخيرة، وانسجمت النظرتان التكهُّنيتان، الروحية والمادية، من حيث التصوّر التكهني وأسلوب المواجهة، وموقفهما من علّة الكون، فحلّ افتراض “التطور التلقائي” عند الفلاسفة الماديين محل افتراض “واجب الوجود” عند الفلاسفة الروحيين، وكلا الافتراضين تكهّن، مما أدى إلى مادية القيم الإنسانية بدلاً من ماورائيتها، وثنائيّة التناقض في المثال الأعلى المادي بدلاً من الوحدانية الغيبيّة في المثال الأعلى الروحي.

وعن هاتين النظرتين الجزئيّتين، نشأ مفهوم الإنسان الجزئي فرداً ومجموعة، فاختلط مفهوم الحريّة بالحقوق، واختلط الحابل بالنابل وحلّ التنابذ والتباعد في الآراء والمفاهيم. وكذلك هاجت حروب الإلغاء والتكفير بين الجماعات الإنسانية مهددة البشريّة بمصير الفناء والتلاشي باسم مفهوم الحرية الجزئي التفتيتيّ الذي تأرجح وتراوح وتناثر بين حالتي الانكماش و”الانفلاش”، أدّتا إلى تعقّد وتقوقع واختناق نفسيّات الأقليات الإثنية والطائفية والفئوية، وتغطرس وانتفاخ وتورّم نفسيات الأكثريات الملّية والطائفية….الخ.

ثالثاً: نظرة سعاده إلى الحياة الإنسانيّة: وهذه النظرة هي عنوان نظرتنا المجتمعيّة الإنسانيّة الواقعيّة الطبيعيّة التي هي ليست ردّ فعل على النظرة الروحية، وليست رد فعل على النظرة المادية. وإنما هي نظرة عمليّة واقعيّة علميّة شاملة إلى الواقع الإنساني في نشوئه ونموّه، ونشوء المجتمعات وتطوّرها، ونشوء الأمم وتمدّنها وارتقائها، ونشوء التاريخ والحضارة، ومعنى القوميّة ووعي مضامينها وفهم واستيعاب القيم الإنسانيّة العليا وممارسة الصراع لتحقيقها. وذلك انطلاقاً من قاعدة الواقع الطبيعي المحسوس التي اكتشفها سعاده وأشار إليها في “نشوء الأمم” بعد بحث ودرس وتحقيق: “لا بشرَ حيث لا أرض، ولا جماعة حيث لا بيئة، ولا تاريخ حيث لا جماعة”.

هذه النظرة لا تبدأ مما قبل الإنسان، ولا تهتم بما هو خارجه أو بعده، بل تهتمّ بكلّ ما له علاقة به وبتحسين مستوى حياته. إن هذه النظرة تبدأ من الإنسان وبه، وتهتم به، وبكلّ ما من شأنه تحسين حياة الإنسان وتجويدها وتشريفها وتوسيع آفاق تقدمها وترقيتها، وهي تنتهي فيه وفي ترقية حياته باستمرار. وهي ترى أن الاجتماع كما ذكر المعلم أنطون سعاده في مؤلفه العلمي نشوء الأمم “حتمي لوجود الإنسان، ضروري لبقائه”. فإذا انتفى الاجتماع انتفى المجتمع ولم يعُد للإنسان وجود ولا حياة إنسانية ولا بقاء.

وعلى هذا، فقد قرّرت هذه النظرة أن الإنسان في كمال وجوده هو إنسان مجتمع وليس إنسان فرد، وأدركت من البداية أن أساس الارتقاء الإنساني ليس أساساً روحيّاً وحسب، ولا هو أساس ماديّ خالص، بل هو أساس مادي روحي، أي مدرحي من دون ثنائية. أي إنساني اجتماعي.

وهذه النظرة تنطلق من نظرة المعلّم أنطون سعاده وتعمل بقوله الشهير: “ليس المكابرون بالروح بمستغنين عن المادة وفلسفتها وليس المكابرون بالمادة بمستغنين عن الروح وفلسفتها. إن أساس الارتقاء الإنساني هو أساس مادي روحي وإن الإنسانية المتفوّقة هي التي تدرك هذا الأساس وتشيد صرح مستقبلها عليه”.

وهذه النظرة ترى بعين الوضوح واليقين والعلم مجتمعيّة الإنسان ومدرحيّته لا فرديّته الماديّة ولا فرديّته الروحيّة، وترى أيضاً بعين الواقع والعلم أن الكرة الأرضيّة الكرويّة هي واقع بيئات أرضيّة جغرافيّة متعددة ومتنوعة وأن العالم الإنساني هو واقع شعوب ومجتمعات قوميّة متمايزة طبيعيّة وليست اصطناعيّة. وهذا ما يتفق مع ما ورد في القرآن: “يا أيّها الناس إنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى، وجعلناكم قبائل وشعوباً لتعارفوا. إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم”.

إن الواقع الطبيعي هو واقع أمم، واقع مجتمعات إنسانيّة ثقافيّة حضاريّة متعايشة متعاونة ولا يمكنها أن تعيش وتتطوّر وترتقي وهي معتزلة الواحدة منها عن الأخرى، بل عليها أن تكون على اتصال بعضها ببعض.

وهذه النظرة ترى أيضاً أن مطلقيّة القيَم الإنسانيّة هي في كونها قيماً مجتمعيّة قوميّة مدرحيّة إنسانية متنوّعة في انسجام، ومتعددة في تناغم، ومتمايزة في تفاهم.

مسؤوليّة الفرد تجاه المجتمع ومثله العليا

وبناء على ما تقدّم فإن مسؤولية الفرد الإنساني النهائيّة ليست ولا يمكن أن تكون تجاه القيم الماورائية الغيبية المجردة، ولا تجاه المثال المادي في الحياة، وإنما هي مسؤوليّة تجاه المجتمع ومثله العليا التي ينتمي إليها الفرد، “ولا يستطيع اختيارها إلا بقدر ما يختار والديه”، كما عبَّر عن ذلك أنطون سعاده.

فالمجتمع هو مصدر الأفراد، وهو بالتالي مصدر القيم وغايتها، وهو أيضاً المدى الصالح والحيوي الذي يُفسح المجال لبروز الشخصيّة الفردية ونموّها ورقيّها وإطلاقها إلى أبعد مدى.

وعلى هذا الأساس فإننا نجد أن القيَم الفرديّة أو الفئويّة أو المذهبيّة أو الطبقيّة لا تستطيع مهما ارتقت أن تصل إلى مستوى القيم الحقيقية الإنسانية، لأنها لا تقدر أن تتعدّى في اهتماماتها نطاق الفرد أو الفئة أو الملّة أو المذهب أو الطبقة أو الأقليّة أو الأكثريّة.

وبما أن المجتمع يحضن الفرد والفئة والملّة والمذهب والطبقة والأقليّة والأكثرية وكل الشرائح، فإن القيم القومية الاجتماعية الإنسانيّة هي خلاصة فضائل قيم جميع الأفراد والفئات والملل والمذاهب والطبقات والأقليّات والأكثريّات وكل الشرائح الاجتماعيّة.

عالميّة النظرة المدرحيّة القوميّة الاجتماعيّة

وحيث إن المجتمع القومي هو عنصر أساسيّ في مُرَكَّب العالم الذي نسميّه الإنسانيّة المترابطة فيما بين أممه بواسطة ثقافاتها وعلاقاتها وآدابها وإبداعاتها، فإن اتجاه القيم الاجتماعيّة القوميّة هو اتجاه قيم إنسانيّة عالميّة عامة لجميع بني البشر.

وكلما ارتقى الفكر في أمّة، وارتقت مفاهيمها، وتوسّعت آفاق نظرها وأبعاد مثلها العليا، فإن وسائل تفاهمها مع غيرها من الأمم تصبح أرقى، وقيمها تصبح أكثر إنسانية وأكثر قبولاً وتبنياً لدى جميع الشعوب والأمم لأنها تقوم على العقل الذي هو الشرع الأعلى والقانون الأساسي للوجود الاجتماعي الإنساني، والذي وصفه المعلّم انطون سعاده بأنه البشرية كما جاء في مجلة “المجلة” في البرازيل عدد ابريل 1925 بعنوان “العقل البشري هو البشرية قائلاً: “إنَّ الأمم والشعوب متى كانت منفردة، أيّ منعزلة الواحدة منها عن الأخرى، لا يمكن أن تتألف منها وحدة تُسمّى “البشرية” أو “الإنسانية” على الإطلاق. فالبشرية أو الإنسانية وتطورها باعتبار أنها تركيب كامل لا يتم إلا إذا كانت أجزاؤها مترابطة ترابطاً تاماً بتلك الواسطة الإنسانية التي تُسمى “العقل البشري”. فالعقل البشري هو البشرية أو الإنسانية كلها متى كانت أقسامه على اتصال بعضها ببعض بما يُطلق عليه اسم: “أفكار” أو “خواطر” تسير بين الأمم كلها. فإذا لم يكن ذلك، بطُل أن يكون هناك إنسانية بمعناها العصري، واقتصرت لفظة الإنسانيّة على التعبير عن الإنسان تمييزاً له عن الحيوان، ولا يتسنى لأجزاء العقل البشري أن تكون على اتصال بعضها ببعض إلاّ إذا توفّرت لها وسائل التفاهم التي تحمل إلى العقل السوري أو العقل المصري فكر العقل الانكليزي أو الألماني مثلاً.

لا نظن انه يوجد أمّة ترضى اعتزال العالم لو خُيِّرت، أم تتمكن من ذلك إذا عقدت النيَّة عليه.

بناء عليه كان واجب كل أمة أن تُسهِّل وسائل التفاهم بينها وبين الأمم الأخرى الغريبة عنها، وبناء على هذه النظرية كان واجب الأمم الناطقة بالضاد أن لا تُقصِّر في التفاهم مع الأمم الأخرى”.

واجب الفرد الإنسانيّ

وبناء على كل ما ورد ذكره، فإن مسؤولية كل فرد إنساني هي أن يكون مواطناً صالحاً منتجاً في المجتمع وليس في الفئة، ولا في المذهب ولا في الطبقة ولا في الطائفة ولا في أي شكل آخر من أشكال التجمّعات البشرية المنغلقة أو المنفلشة.

وحين يتحوّل أبناء المجتمع إلى مواطنين صالحين منتجين فإن مجتمعهم يصبح، بلا شك، عضواً سليماً فاعلاً في حركة إغناء التجدُّد والارتقاء الإنسانيّين، وتكوين عالم إنساني جديد بقيم إنسانية أرقى وأسمى.

على ضوء هذا المفهوم الجديد للوجود الإنساني يتضح أن الوجود الكامل السليم الصحيح ليس وجوداً فردياً أو فئوياً أو مجموعيّاً بل وجوداً اجتماعياً. وليس وجوداً مادياً منفصلاً عن الروح، ولا وجوداً روحياً مجرداً من المادة، بل هو وجود مادي روحي واحد، وجود مدرحي إنساني اجتماعي إذا تجزأ فقد إنسانيته وتلاشى.

إن مفهوم الإنسان في نظرة انطون سعاده الواقعيّة العلميّة والفلسفيّة هو إنسان – مجتمع – أمّة وهو أيضاً إنسان مادي – روحي. وصحته في مجتمعيّته وليست في فئويته. وسلامته في مدرحيته وليست في تفسخه بين المادة والروح. أي أن مرضه في تشلّعه إلى فئويات متضاربة، وخرابه في تنافر نفسيات أفراده وفئوياته وكياناته. أما ارتقاؤه وأساس ارتقائه ومسيرة وديمومة ارتقائه ففي كونه وجوداً قومياً اجتماعياً مدرحياً إنسانياً.

واقع كوكب الأرض

ولأن واقع الكوكب الذي نعيش عليه ليس بيئة واحدة، بل واقع بيئات متنوّعة ومتمايزة، مما يجعل العالم الإنساني واقع مجتمعات متنوّعة ومتمايزة، واقع أمم، فإن الوجود المجتمعي الأتم الكامل هو وجود الأمّة التي لا تعني جيلاً واحداً في حقبة من الزمن، ولا تعني أجيالاً عدة في حقب زمنيّة عدة بل تعني وحدة حياة الجماعة الإنسانية وحركتها المستمرّة على بقعة أو بيئة معينة من الأرض تفاعلت معها وتتفاعل وسوف يستمرّ هذا التفاعل منذ كانت الحياة الإنسانية على الأرض إلى ما سوف تكون الأرض وما ستكون الحياة الإنسانيّة.

فالبيئة الطبيعية من الثوابت، والجماعة الإنسانية المتطوّرة المتعاقبة هي أيضاً ثابتة الوجود بثبات بيئتها وتطوّر الجماعة بتطور ثقافتها ورقيّها.

ويتضح أيضاً أنه يجب اعتبار الإنسانية تركيباً كاملاً استناداً إلى هذه النظرة التي تقول بالإنسان المجتمع، والتي ترى أن الأفراد هم إمكانيات وفعاليات اجتماعية، فإن المثال الأعلى للقيم الإنسانية يتركّز على الأساس المجتمعي الإنساني المدرحي حيث يكون المجتمع هو مصدر كل القيَم وحضنها ومآلها، وحيث يكون ارتقاؤه المستمر الشرط الأساسي على أهليته وجدارته في النموّ والابتكار والإبداع والخلق، وحيث يدلّ على مبلغ السموّ في رسالته الحضاريّة إلى الشعوب الأخرى، ويشير إلى جدّية مشاركته في الصراع الإنساني من أجل تحقيق “حياة أجود، في عالم أجمل، وقيم أعلى”، كما عبَّر عن ذلك الفيلسوف أنطون سعاده في كتابه “الصراع الفكري في الأدب السوري”.

 

القيم الحقيقيّة

فبدلاً من فرديّة القيم وماورائيّتها كما تقرّر في النظرة الروحية الغيبيّة التكهنيّة، وبدلاً من فرديّة القيم وماديّتها وخضوعها لبعض القوانين الحتميّة أو بعض القوانين التي توصّل إلى اكتشافها أو تقريرها العقل الإنساني في زمن معين، ومكان معين، ومستوى ثقافيّ معين، فإن القيم تصبح في المفهوم الجديد قيَماً قوميّة اجتماعيّة إنسانية تبدأ من المجتمع وبالمجتمع، وتنمو بنموّ المجتمع، وترتقي وتسمو بقدر ما في المجتمع من طاقة على الارتقاء والسموّ، وتصبح مسؤوليّة الأفراد ليست تجاه قيم ماورائية تكهنيّة مجرّدة، ولا تجاه قيَم ماديّة خانقة، بل تجاه قضيّة عُظمى تساوي كل وجودهم، ويتوقّف على انتصارها أو انهيارها انتصار الأمة أو انهيارها، وانتصار العالم وغناه الإنساني أو انهيار العالم وشيوع همجيّته وتلاشي إنسانيته.

هذه هي بعض ملامح النظرة الجديدة التي تكشفت لنا بأحد أبرز عباقرة أمّتنا المعلم أنطون سعاده الذي دفع دمه ثمناً لتكريس هذا الوعي وانتصاره في جميع أبناء أمتنا، ليتنبهوا إلى حقيقة وجودهم، وليعملوا من أجل تحقيق انتصار حقيقتهم، فتستعيد الأمة قدرتها على الحياة والإبداع، وتحتلّ مكانها اللائق بها تحت الشمس بين الأمم.

 

مفهوم الحريّة المجتمعيّة الجديد

وعلى ضوء هذه النظرة الاجتماعية العلميّة العقليّة التي تهتم بالإنسان نموّاً ورقيّاً وتقدّماً، سنحاول تفسير المفهوم الجديد للحرية، مفهوم الحريّة المجتمعيّة الإنسانيّة عند سعاده التي قال عنها إنها رسالة الأمّة السورية إلى سورية وإلى العالم العربي وإلى الإنسانية جمعاء.

المجتمع هو الحالة والمكان الطبيعيّان للإنسان، ولذلك يقول سعاده في الفصل الرابع من مؤلفه العلمي نشوء الأمم في الصفحات 51-52: “إننا حيثما وجدنا الإنسان وفي أيّة درجة من الانحطاط أو الارتقاء، وجدناه في حالة اجتماعيّة. وهكذا نرى أن المجتمع هو الحالة والمكان الطبيعيّان للإنسان، الضروريّان لحياته وارتقائه. ولما كنّا لم نجد الإنسان إلا مجتمعاً ووجدنا بقايا اجتماعه في الطبقات الجيولوجية أيضاً، فنحن محمولون على الذهاب إلى أن الاجتماع الإنساني قديم قدم الإنسانية، بل نرجّح أنه أقدم منها وأنه صفة موروثة فيها”.

وبناء على دراسة نشوء المجتمعات والأمم والقوميّات دراسة واقعيّة علميّة وجديّة ومتأنيّة يكوّن نظرته الواقعيّة الجديدة للطبيعة، وللحياة الإنسانية الطبيعيّة في هذا الكون، ولمسؤولية الإنسان تجاه نفسه وتجاه الكون ومواجهته، ورسالة الإنسان ودوره في فعل الكشف والإنتاج والخلق والإبداع، فيؤسس فلسفته على قواعد الواقع الطبيعي لحياة الإنسان في مجتمعه، ولعلاقاته مع غيره من المجتمعات، ويعيّن لهذه الفلسفة مبادئ ونهجاً وغاية عاملاً مجاهداً بكل ما لديه من مواهب وما يملك من إمكانيات وما توفّر له من قدرات ليحقق مضامين ومفاهيم هذه الفلسفة، التي أطلق عليها الفلسفة المدرحيّة القوميّة الاجتماعية في أمّته، لتكون أمّته بهذه الفلسفة النموذج المثال لجميع الأمم والمتحدات الإنسانية الاجتماعيّة بحيث تتحول إلى عقيدة حياة إنسانية صالحة جديدة لإنسان مجتمعي صالح جديد يمكنها النهوض أو هي الفلسفة الصالحة لتحقيق نهضة أي مجتمع – أمة في هذا العالم.

وقد كان واضحاً في تعريفها عندما قال: “نعرّف العقيدة بأنها قوميّة اجتماعيّة. فهي قوميّة لأنها تقول بالأمّة والولاء القومي، وهي اجتماعيّة لأن غايتها الاجتماع الإنساني – المجتمع وحقيقته ونموّه وحياته المثلى. والمجتمع الأكبر والأمثل هو الأمّة. وقد جاء في التعاليم، “أمّة واحدة – مجتمع واحد”. من هذا الإيضاح الأوّلي ندرك أنّ عقيدتنا تقول بحقيقة إنسانية، كليّة، أساسيّة هي الحقيقة الاجتماعيّة: الجماعة، المجتمع الواحد، فالاجتماع للإنسان حتمي لوجوده، ضروريّ لبقائه واستمراره. والمجتمع هو الوجود الإنساني الكامل والحقيقة الإنسانية الكليّة. والقيم الإنسانية العليا لا يمكن أن يكون لها وجود وفعل إلا في المجتمع. فمتّجه القيم كلها هو المجتمع -هو مصدرها وهو غايتها” والحرية ليست إلا قيمة اجتماعيّة إنسانية من هذه القيَم.

 

المجتمع والقوميّة وحدة وجود وفعل حضور

 فما هو معنى المجتمع وما هو معنى القومية في نظر انطون سعاده العالم الاجتماعي والفيلسوف؟ وما هو معنى القوميّة الاجتماعية لتسهيل معنى ومفهوم الحرية القومية الاجتماعية؟

بالاستناد إلى كتاب “نشوء الأمم” الذي تناول فيه دراسة الاجتماع الإنساني ابتداءً من عهد نشوئه، ومروراً بكل المراحل التطوريّة منذ بداية التاريخ الجلي وحتى عهدنا الحالي.

يقول سعاده في فصل: “الإثم الكنعاني” في الصفحة 165: “الأمّة متحد اجتماعي أو مجتمع طبيعي من الناس قبل كل شيء آخر”، ويستخلص بعد بحثه تعريفاً للأمّة غير خاضع لتأثير واحد معيّن من تاريخ أو أدب أو سياسة أو أي شيء آخر فيقول: “الأمّة جماعة من البشر تحيا حياة موحدة المصالح، موحدة المصير، موحدة العوامل النفسية والماديّة في قطر معيّن يُكسبها تفاعلها معه، في مجرى التطور، خصائص ومزايا تُميّزها عن غيرها من الجماعات”.

المقصود من المجتمع عند سعاده هو المجتمع الطبيعي أي مجتمع الأمّة، ومجتمع الأمّة هو جماعة القوم التي تحيا في بيئة معيّنة وتتفاعل مع هذه البيئة وتصنع تاريخها عليها. والقوم لغوياً كلمة مشتقة من الإقامة أي إقامة الجماعة الإنسانية في المكان أو البيئة. وجمع الكلمة أقوام، ولإقامة القوم في المكان سُمِّي المكان بيئة القوم الطبيعية أو وطن جماعة القوم المستوطنة فيه، والمتفاعلة معه. فالبقعة الجغرافيّة لا يمكن تسميتها وطناً إلا إذا أقام واستوطن فيها قوم. وكذلك لا يمكن أن نسمّي القوم قوماً إلا إذا كانوا مقيمين في بيئة معينة، في وطن معيَّن. فكلمة القوم تعني الأمّة أي وحدة الجماعة الإنسانية المقيمة والمستوطنة في بيئة أرضية معيّنة منحدرة من تاريخ طويل يعود إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي، صانعةً ثقافتها وحضارتها وتاريخها في بيئتها.

فإذا وصلت جماعة القوم أي جماعة مجتمع الأمّة إلى طور ومرحلة النضوج والرشد وأخذت تتنبّه لوحدة وجودها ووحدة حياتها ووحدة مصيرها وبدأت تدرك مصالحها في الحياة يمكننا أن نقول إنها بلغت درجة الوعي المجتمعي أي الوعي القومي أي وعي الأمة وحدة حياتها ومصيرها. فالقوميّة إذاً يقظة وتنبّه أي حالة نضوج مجتمع الأمّة ورشده.

فإذا كان الفرد الإنساني عندما يصل إلى سن الرشد يُقال عنه إنه أصبح راشداً وبرزت شخصيته الفردية الراشدة وأصبح بإمكانه أن يتحمل مسؤولية نفسه بنفسه وبناء أسرة ويصبح له رأي وصوت وحقوق مدنية واجتماعية وسياسية. فإن المجتمع الإنساني الذي ينضج ويتنبّه لمصالحه في الحياة وتقرير مصيره وتبرز شخصيته الاجتماعيّة يقال إنه أصبح ناضجاً واعياً راشداً نابهاً، أي أنه بلغ مرحلة وحالة الوعي المجتمعي القومي.

فالقوميّة إذاً هي يقظة ووعي وتنبّه الأمّة وقد عبَّر أنطون سعاده أبلغ وأحسن تعبير عن هذا المعنى في كتابه العلمي “نشوء الأمم” في الصفحة 167 بهذا المقطع: “القوميّة، هي يقظة الأمة وتنبهها لوحدة حياتها ولشخصيتها ومميزاتها ولوحدة مصيرها. وقد تلتبس أحياناً بالوطنيّة التي هي محبة الوطن، لأن الوطنية من القومية، ولأن الوطن أقوى عامل من عوامل نشوء الأمة وأهم عنصر من عناصرها. إنها الوجدان العميق الحيّ الفاهم الخير العام، المولّد محبّة الوطن والتعاون الداخلي بالنظر لدفع الأخطار التي قد تحدق بالأمّة ولتوسيع مواردها، الموجد الشعور بوحدة المصالح الحيوية والنفسية، المريد استمرار الحياة واستجادة الحياة بالتعصب لهذه الحياة الجامعة التي يعني فلاحها فلاح المجموع وخذلانها خذلانه”.

هذا هو معنى القوميّة، إنها حالة يقظة المجتمع ونضوجه ورشده وتمام أهليته وكفاءته.

 

القوميّة الاجتماعيّة وعي المجتمع حقيقته

بعد هذا التوضيح لم يعُد يوجد أي مبرر لأي التباس في فهم مصطلح “القوميّة الاجتماعيّة” المركّب من كلمتي: “القوم والاجتماع،” أي الإنسان – المجتمع ووجدان المجتمع الحيّ الفاهم. الإنسان – الأمّة ونضوج الإنسان التام الذي لا يحتاج إلى وصيّ ولا إلى وكيل ولا إلى مربٍّ ولا إلى راعٍ أو مشرف. ولم يعد الاجتماع اجتماع عصبة أو عصابة من الأفراد أو فئة أو عشيرة أو ملّة أو طائفة أو مذهب. بل صارت الأمّة تعني وحدة وجود ووحدة حياة ووحدة تاريخ ووحدة حضارة ووحدة مصير، وأصبحت القوميّة تعني ذاتيّة الأمّة العميقة ووجدانها الحيّ ويقظتها المنعشة ووعيها المنفتح المتوسّع باستمرار على أبعاد الكون وآفاق الأزمنة وآتيات العصور.

 

الحريّة القوميّة الاجتماعيّة

إنّ مفهوم الحرية القومية الاجتماعية هو الروحيّة الصراعيّة المنبثقة والمتولّدة من أعماق الإنسان – المجتمع – الأمّة الواعي. هي حرية الوجود الإنساني الواقعي أي الإنسان – المجتمع التام. وتعني أيضاً وعي وتنبه هذا الوجود الإنساني لذاته ومكانته ودوره في الوجود. فهي انبثاق فعل من داخل الإنسان – المجتمع لا تُعطى ولا تُؤخذ، ولا تُمنح ولا تُستردّ. ولا يُتساهَل بها ولا تُغتصَب بل هي حركة تفعل، وحياة تنهض، ووعي يرتقي ويتّسع، وقوّة صراع لا تكتفي بنجاح لأنّها أمّ كل نجاح وفلاح وانتصار.

 

الحريّة المجتمعيّة النامية

وبما أن الوجود المجتمعيّ الإنسانيّ هو وجود نموّ والنموّ حركة، فإنّ حرية الإنسان هي حرية إنسانيّة اجتماعيّة نامية متحرّكة ديناميكيّة، وهي حرية الصراع والتقدم. صراع أفكار تتعمق بأفكار، وتتوسّع بأفكار، وتمتد بأفكار، وتتحسّن بأفكار، وترتقي بأفكار. إنها صراع بصائر ورؤى، صراع عقائد في سبيل تحقيق مجتمع أفضل للمتصارعين بهدف ترقية وتحسين مستوى الحياة.

إنها قاعدة من قواعد نهضة كل مجتمع يريد أن ينهض، وهي إلى جانب كونها قاعدة هي أيضاً وسيلة من وسائل تقدمه وازدهاره. وهي فوق ذلك منقبة قيميّة عليا من مناقب وقيم الإنسان – المجتمع – الأمة.

من الطبيعي أن القاعدة لا تكون سليمة وفاعلة أو تُكتسب فاعليتها إلا من حيث هي جزء في كل مُرَكَّب، لها مكانها ولها دورها ولها وظيفتها.

ولهذا فإن الحرية ليست منعزلة عما عداها من القواعد والدعائم وهي لا تكون بالضعف بل تكون مع القوة. ولا تكون بالفوضى بل تكون مع النظام. ولا تكون بالتخاذل بل تكون مع الشعور بالمسؤولية والقيام بالواجب. ونحن لا نستطيع أن نتصور مجتمعاً حراً راقياً يرضى بالجهل ويعيش بالتخلُّف ويسير بالرذائل مبتعداً عن الفضائل والمحامد والمكارم.

الحريّة لا تنشأ إلا في مناخ الحرية

يتبيَّن من كل ما تقدّم أن للحرية في مفهومها الجديد مناخاً خاصاً لا تنشأ الحرية من دونه ولا تنمو وتستمر بغير توفره، ولا ترتقي إلا بارتقاء الإنسان – المجتمع، وهذا المناخ لا يقوم من دون مقوّمات أصليّة جليّة ومتينة.

وبما أن الحرية هي ميزة الإنسان العاقل، وهي من أرقى مزايا الإنسان المجتمع فإن مقوّمات نشوء مناخها هي مقوّمات اجتماعية إنسانيّة نهضوية. ومن العبث أن نبحث عن الأحرار خارج نهضة المجتمع سواء كان ذلك في مناخ الاستسلام لقوى “الماوراء” أو في مناخ الاستسلام للقوانين “الوضعية الافتراضية” التي وضعها الإنسان أو قرّرها في تعاقب أجياله. وكذلك لا تفيد في شيء كل محاولات التوفيق والتسويات التي تجري لتقريب وجهات النظر المتناقضة والمتضاربة في المنطلقات والأساليب والأهداف القريبة والمتوسطة والبعيدة.

إن الحرّية هي من أهم الوسائل وأفعل الأسباب التي يستطيع الإنسان بواسطتها غزو العوالم التي ما تزال قدرته الإنسانيّة غير كافية وغير مهيأة لاكتشاف خبايا وأسرار تلك العوالم. والتي تسفِّه، في حال اكتشافها، الكثير من المفاهيم “الماورائية” والتعليلات التكهنية، والروايات الخرافية.

والحرّية في الوقت نفسه هي من أقوى الأسلحة الفعَّالة في اكتشاف نواميس كونيّة وحياتية أعم، وقوانين طبيعية أشمل تساعد الإنسان على التخلّص من عبوديّة النظريات الحتمية، والأحكام المسبقة، والتنظير الخرافي، لأن الحقيقة البديهيّة التي يجب أن تبقى ماثلة أمامنا هي: “أننا كلّما صعدنا قمّة تراءت لنا قمم أخرى نحن جديرون ببلوغها”.

وإلى جانب كون الحرية وسيلة وسلاحاً فعّالين في تحرير الإنسان – المجتمع من قيود عادات وتقاليد وأعراف وأفكار الماضي التي رثَّت واهترأت فإنها قيمة من أهم القيَم التي تدفع الإنسان وتحرّك طاقاته لينطلق إلى الأمام، إلى الأنفع والأحسن والأفضل.

وانطلاقاً من هذه الحقيقة، فإن كل قول نهائي فاصل في تعليل نشوء الكون أو تفسير نهايته، هو قول باطل مهما ارتقى أسلوب منطقه، ومهما بدت تعليلات حدوثه واقعيّة للعقول الفرديّة الجزئية. فالعقول الفرديّة تحتاج دائماً وباستمرار إلى مزيد من التعقّل والتبصّر، ومزيد من النموّ والنضج وسموّ الإدراك.

والحقيقة في نظري هي كما قال المعلم أنطون سعاده: “أنه لا يُوجد في العالم شيء يُسمى حقيقة ابتدائية، فكل شيء متعلّق بما سبقه إلى ما لا نستطيع إدراكه”.

واستناداً إلى هذا الفهم الاجتماعي للإنسان، فنحن نقرر أن القيَم الإنسانية هي قيم اجتماعية إنسانية، قيَم قومية اجتماعية.

ولأن المجتمعات هي كائنات طبيعية حيَّة نامية، فإن مفاهيم القيم الحقيقية هي مفاهيم القيم الحياتيّة التي تنمو وترتقي بنموّ المجتمعات وارتقائها، وتضعف وتتخلّف وتزول بضعف وتخلّف وزوال المجتمعات.

 

تحديد الحرّية كقيمة عليا من قيم الإنسان – المجتمع

 وبناء على ما تقدم، فإنّ الحرية، قيمة عليا من قيم الإنسان المجتمع. وإذا كان لا بد من تعريفها لتقريبها من الإفهام، فإن الحرية تكمن في طاقة المجتمع على النمُوّ الدائم، وقدرته التطور.

إنّ الحرية هي القدرة الإنسانية على التصحيح والتصويب لنهوض المجتمع وتقدّمه وارتقائه. ومن هنا كانت أهمية توفُّر مناخ النهضة الذي هو: “خروج من البلبلة إلى التعيين”، على حد تعبير المعلم سعاده. ومن هنا كانت أهميّة ولادة الإنسان الجديد الجيِّد الصالح الناهض الذي يسعى باستمرار إلى الأصلح والأجود والأرقى نهوضاً. وتوفُّر مناخ النهوض أو النهضة، وولادة الإنسان الجديد هما أمران مهمان أساسيّان ولا يمكن أن يحصلا إلا بتوفر المقوّمات الأساسية التالية:

المقوّم الأول: الوعي الاجتماعي الإنساني: إن الوعي الاجتماعي الإنساني السليم هو شرط أساسي وجوهري لقيام ونشوء الحرّية، لأن “المجتمع معرفة والمعرفة قوّة” كما قال أنطون سعاده. والقوّة هي حركة ديناميكية حيَّة نامية، والمعرفة التي نقصد هي المعرفة الإنسانية بكل أبعادها، وبكل مستوياتها ومقاييسها المنبثقة من يقظة المجتمع، وتنبّهه لوجوده ومعنى وجوده وحياته ومصالحه في الحياة ومصيره وكيفية تحسين وتجويد وترقية هذا المصير.

إن الحرّية هي وليدة تنبه الإنسان الخارج من الظلمة إلى النور ومن الشك إلى اليقين ومن الجهل إلى العلم ومن الضلال إلى الهُدى. فالجاهلون المتخلفون ليسوا أحراراً ولا يمارسون إلا جهلهم وتخلّفهم وانحطاطهم، إنهم عبيد جهلهم وتخبطهم وبلبلتهم وعقدهم وأمراضهم النفسية التي لا تسمح لهم بأن يكونوا أحراراً.

الحرّية لا تكون من غير يقظة والحرّ لا يكون بلا وعي، الحرية تحرّر من الغفوة والخمول والجهل والخرافة والوهم والتكهّن.

وعلى عكس الجاهليين الخرافيين يكون الواعون العارفون العاقلون أحراراً بوعيّهم ومعرفتهم وتبصُّرهم وصراعاتهم، حيث يُؤكد تنبّههم، وتُؤكد ممارستهم لوعيهم وبطولتهم على أصالتهم وعلى صفاء حريتهم وسموّهم في حريتهم.

الحرّية لا تكون من غير يقظة ونهضة، والأحرار لا يكونون بلا وعي وإدراك. الغفوة عبوديّة والخاملون عبيد، الوعي حرية والواعون أحرار، النهضة حرّية والناهضون أحرار.

إن الحرّية الإنسانية لا تحَدّ لأنها لا تكون إلا بالمعرفة المتطوّرة النامية بغير حدود كتطور المجتمع ونموّه وتساميه الذي ليس له حدود. أما العبودية فوحدها هي المحدودة بالغفوة والغباء والخمول والجهل والاتكاليّة والتخلّف والانحطاط.

 

المقوّم الثاني: المناقب الاجتماعيّة: إن المناقب الاجتماعية الإنسانية هي الشرط الثاني من شروط توفر مناخ الحرّية التي يستحيل أن تكون وتقوم مع الرذائل والمساوئ والمفاسد.

إن الحرّية منقبة والحرية التي لا تكون منقبة وغير المقترنة بالمناقب الاجتماعية الإنسانية الراقية لا تكفي ولا تسمح أبداً أن يكون المجتمع حراً، وأن يكون أبناؤه أحراراً.

ولذلك لا بدّ من توفر عقليّة أخلاقيّة فاعلة يمارسها الإنسان وعياً، وتحقيقاً، واستمرار ممارسة، فيعبِّر بذلك عن حرّيته الصحيحة السليمة محبةً، وعدلاً، وحقاً، وخيراً، وجمالاً، ونظاماً، وقوّة، ومسؤوليّةً، وعطاءً، وتضحية، فترتفع الحرّية إلى مستوى قيَمي ومناقبي راقٍ جديد وتُصبح، بالإضافة إلى كونها قاعدة من قواعد النهضة القومية الاجتماعية، فضيلةً من فضائل هذه النهضة.

إن الذين يمارسون الفضائل باستمرار ويعملون ويعطون ويبدعون ويصارعون ويضحون في سبيل تحقيق المُثُل ِالعليا العظيمة لأمّتهم، هم وحدهم الأحياء الأحرار بوعيهم ومعرفتهم ومناقبهم وفضائلهم.

والمجتمع الواعي المناقبي الفضائلي هو بالذات المجتمع الإنساني الحرّ الذي يستطيع أن يكون قدوة حسنة لغيره من المجتمعات، ويستطيع أن يكون معلماً وهادياً للأمم.

أما الذين يعيشون بالرذائل المتأتية من جهلهم وتخلّفهم وسوء طبائعهم، فليسوا من الأحرار في شيء ولا يستحقون أن يكونوا أحراراً، فهم لا ينتمون إلى مجتمع المعرفة بل ينتمون إلى تجمّعات القطعان، والقطعان التي ليس لها رعاة تمزّقها وتفترسها الوحوش.

 

المقوّم الثالث: التقدّم الاجتماعيّ الإنسانيّ: إن التقدّم الاجتماعي الإنساني، فضلاً عن كونه ميزة من مزايا نموّ الإنسان المجتمع ونموّ وعيه وسموّ مناقبه، فإنه أيضاً شرط ثالث من شروط مناخ وجود ونموّ وسموّ الحرّية لأن المعرفة التي لا تنمو ولا تتطور ولا تتقدم ولا ترتقي ليست معرفة فاضلة بتحجرها وانغلاقها وتقوقعها.

هذه ليست معرفة، بل هي حالة تحجّر تعطل وتخنق العقل الإنساني بمفاهيمها الجامدة وقوالبها القاتلة وتتحول إلى درك رديء من أدراك العبوديّة.

إن قدرة العقل الإنساني المجتمعي لا تحدّ، والعقل السليم النامي هو وحده الذي يضع القواعد، ويقرر المفاهيم، ويكتشف النواميس ويذلِّل كل عاصٍ. فإذا قولِبَ العقل بالقوانين وحُوصِر بالنظريّات والتنظير وقُيِّد بعفن التقاليد والعادات والأعراف والخرافات والأوهام فقد بَطلَ أن يكون عقلاً، لقد “وُجدَ العقل ليعرف، ليدرك، ليتبصر، ليميز، ليعين الأهداف، وليفعل في الوجود،” على حد تعبير المعلم أنطون سعاده.

وبالعقل ليس للحرية حدود، لأن العقل يسمو ويتسامى بغير حدود. فحريتنا تقاس، مثلاً، بقدر ما نكون نحن مُتقدّمين وسبّاقين ومُتفوّقين ومُبدعين وخلاّقين في مضمار الحضارة، وليس بنسبة ما نكون متخلّفين ومتأخرين وخاملين ومتخاذلين. وحرّيتنا يجب أن تقاس بالنسبة لما حققته أرقى المجتمعات الحضارية، بل يجب أن تُقاس حريات الأمم الراقية بالنسبة لمفهومنا القومي المجتمعي المدرحي الراقي الجديد للحرية الذي تجاوز وتخطى أرقى المفاهيم، ولا يجوز أبداً أن نقيس حريتنا بالنسبة للمجتمعات المتخلّفة الغبيّة الظالمة.

 

مُقوّمات الوعي والمناقب والتقدّم وشروطه لتوليد عقليّة أخلاقيّة جديدة

 

إن الوعي والمناقب والتقدّم هي مقوّمات أساسية وشروط مهمة ضروريّة لا يمكن أن يتوفر مناخ الحرية المجتمعيّة الإنسانيّة من دونها وهي: “وعي المجتمع حقيقة وجوده ومصالح حياته وتعيين أهدافه ومثله العليا”. وهي ممارسة الفضائل والمناقب القومية الاجتماعية لتوليد عقليّة أخلاقيّة جديدة جيدة. وهي صراع بالوعي والمناقب وتقدّم بطولي لتحقيق أسمى المثل وأبعد المرامي التي تليق بأصحاب النفوس الحرّة الجميلة العظيمة.

هذا المفهوم الجديد للحرّية قادر أن يستوعب جميع المفاهيم الجزئيّة للحرّية في العالم، لأنه يقول بحرّية المجتمع، كلّ المجتمع، وليس بحرّية فرد أو أفراد ولا بحرّية فئة أو حرّية طائفة أو طبقة.

إن المجتمع هو حرّ بقدر ما فيه من وعي ومعرفة، وبقدر ما يمارس من المناقب والفضائل، وبقدر ما يحقق من التقدم والارتقاء.

ولذلك فإن المجتمع الحرّ هو وحده الذي يتمتع فيه أبناؤه كل أبنائه بالحرّية. فهم أحرار لأنهم من مجتمع وفي مجتمع حرّ. أما الذين يقولون بحريات سياسية أو اجتماعية أو أدبية أو اقتصادية أو دينية أو جزئية وعلى أساس فردي أو فئوي، فإن مفاهيمهم تبقى قاصرة عن مفهوم الحرية السليم الشامل كل هذه الشؤون، وحبذا لو استبدلوا كلمة الحرّيات بكلمة حقوق لكان أصح وأصوب.

 

المفهوم الجزئيّ لا يرتقي إلى المفهوم التام

إننا نقبل مفاهيمهم من حيث هي مفاهيم جزئيّة وليس من حيث هي مفاهيم شاملة، فالحرّية التي تقول بها الرأسمالية الفردية مثلاً، والتي تبيح للفرد في المجتمع أن يعتقد بما يريد ويقول ما يريد ويعمل ما يريد، ليست حرّية حقيقيّة صحيحة شاملة. فما هي قيمة اعتقاد أو قول أو عمل الفرد الجاهلي السيئ المتخلف الشرير المجرم في ظل الأنظمة الجائرة الفاسدة المستبدة المستغلة نشاط وجهود ونتاج الملايين لمصلحة فئة ظالمة جشعة خائنة متآمرة على أبناء مجتمعها؟!

إننا نقول أولاً بتحرير الفرد من عقد المخاوف والأوهام والمفاسد والحاجات المادية والروحية وأمراض الأنانية والفئوية والطائفية والمذهبية والكيانية الضيقة، وتحريره أيضاً من العادات والتقاليد والأعراف البالية النتنة العفنة، ونعمل لإيجاد النظام النهضوي الجديد وتوفير المناخ الصحيح الملائم ليصبح لاعتقاد الفرد وقوله وعمله وممارسته قيمة الحرّية بتربيته على الوعي، وتدريبه على حياة المناقب، وتأهيله وتشجيعه على التقدم والصراع، وإطلاق مواهبه وقدراته ليبتكر ويبدع أرقى ما تستطيعه النفس الإنسانية الحرّة المبدعة من ابتكار وإبداع.

 

 

النظريّات تتطوّر وتتغيّر بحركات الشعوب

إن تطوّرات المجتمعات وحركات الشعوب كانت أقوى من أن تسير بحسب نظرات ونظريات وضعها مدَّعو الفلسفة والعلم، وتقبّلها الكثيرون غباءً وجهلاً من دون أن تستيقظ فيهم روح المبادرة والعزّة والإبداع.

إن النظريات والقوانين والمبادئ والدساتير والأنظمة وكل ما يمكن تصوّره من الشرائع والأفكار هي لمساعدة الشعوب على تحسين حياتها وترقية مصيرها وليس لاستعباد الشعوب وقتل طموحاتها.

إنّ جميع النظريات الروحية أو المادية أو التوافقيّة أو الإصلاحية كانت وتبقى وسوف تستمر على مشرحة تطوّر الشعوب ونهضاتها وثوراتها، وحتى الأديان نفسها هي خاضعة لحالة النموّ والتطوّر والتغيير.

وتكفي نظرة بسيطة إلى التاريخ لنجد كيف “ترومنت” المسيحية في روما، و”تسكسنت” في انكلترا، وكيف “تتركنت وتعثمنت” المحمديّة في تركيا الخ… وتدرّج تأقلمها صعوداً أو هبوطاً في الشعوب النامية التي ما تزال تعاني من استغلال الدول القوية الاستعمارية.

إنّ كلّ المزايدات اللفظيّة الكلاميّة والدعايات المغرضة لا يمكنها أن تقوم مكان الحقائق والوقائع والأرقام. فالفرد، مثلاً، في ظل الأنظمة الرأسمالية الفردية الاستعمارية، هو حرٌ في الظاهر في أن يعمل أو لا يعمل ولكنه في الحقيقة والواقع والمحسوس هو مُجبرٌ ومُكرَه كي يعيش أن يعمل تحت أقسى الشروط التي يفرضها عليه أرباب العمل وأصحاب الشركات وجميع المهيمنين على أرزاق الناس. ولذلك فإن حرّيته هي حرّية العبوديّة والذل وليست حرية الكرامة والعزّ. والأفضل أن نستبدل كلمة حرّيته بحقوقه المهضومة والمسلوبة التي جعلته فريسة للخنوع والاستعباد. والفرد، أيضاً، في الأنظمة الماركسية الاشتراكية حرٌ في ممارسة الدعاية والتبشير والدعوة إلى اعتناق عقيدة مادية والعمل على تقوية وتعزيز سلطة الدولة التي تشكل في حد ذاتها شركة كبرى يديرها ويسيطر عليها حفنة من الذين برعوا في تزوير الحقائق وتضليل الناس واستخدامهم كرهاً أو طوعاً من أجل مآرب خاصة جزئيّة وفئويّة متذرّعين بفلسفة ماديّة يقدمونها للناس على أنّها عقيدة العقائد، ونظريّة النظريات التي لا نظريّة قبلها ولا نظريّة بعدها أو فوقها أو مثلها مع أن الدولة هي المظهر الثقافي التنظيمي السياسي للأمّة وليست سلطة وسوط استبداد وطغيان. وهي في الحقيقة نظريّة دعاية خادعة لا تخدم سوى المسيطرين والمهيمنين على مراكز القرار. وكذلك حال المواطن الفرد في ظلّ الأنظمة العسكريّة التوتاليتاريّة الذي تأمّنت له لقمة العيش في خدمة حكومة مستبدة جائرة، وتؤمن له العمل في حقولها ومصانعها ومزارعها ومكاتب شركاتها فأصبح غير قادر مهما وجد النظام ظالماً ومجحفاً وسيئاً أن يمارس حقوقه ويقول رأيه بصراحة أو يحتج أو يرفض أو يبرز مواهبه في غير الخط المرسوم له وليس له إلا الوظيفة المقررة لنشاطه واستخدامه من قبل الطغاة المستبدين والمسيطرين على مرافق الدولة في حكومتها الجائرة.

 

الحرّية المجتمعيّة هي حرّية الصراع والتقدّم

إن فلسفة انطون سعاده المدرحية القومية الاجتماعية تقول بالإنسان – المجتمع الذي هو مصدر الفرد ونطاق بروز وتحقق شخصية الفرد والضامن لاستمرار وجود وخلود الفرد.

ففي المجتمع أصل الفرد ومصدره وفي المجتمع بروز شخصيّة الفرد وتحقق كيانه وشخصيته. وفي المجتمع الحرّ يكون بقاء الفرد وخلوده حراً. والفرد الحر هو ابن المجتمع الحر. ودرجة حرية الفرد ترتقي وترتفع سويّتها بنسبة ما يتوحدن بقضية مجتمعه وبقدر ما يعمل الفرد من اجل عزة مجتمعه ورقيه. وليس بنسبة ما ينعزل ويغترب عن قضية مجتمعه.

من طبيعة الإنسان النموّ. والنمو هو نموّ الوعي والفكر فإذا توقّف الإنسان عن النموّ سقط وتلاشى ومات. والحرية لا تكون بالسقوط والتلاشي والموت بل تكون بالحياة، الحياة حرية، والحرية حياة، والأحياء هم الأحرار.

 

الحرّية مظهر نموّ الفكر الذي يوجه الإرادة فتسمو الإرادة بحرية الفكر وتزيده وضوحاً وقوّةً وفاعليّة فيزداد تألقاً ويزداد المجتمع تقدّماً وحرّية ويصبح الإنسان مؤهلاً لتحقيق “الحياة الأجود في عالم أجمل وقيم ٍ أعلى”، كما عبّر عن ذلك عالم القومية الاجتماعية وفيلسوفها أنطون سعاده في كتابه “الصراع الفكري في الأدب السوري” حيث يصبح لقاء الأمم الحرة الناهضة سبيلاً إلى الارتقاء الإنساني الصحيح وبلوغ عالم موحّد وعولمة مناقبية راقية تقوم على قيم الحق والخير والجمال.

 

المجتمع الحر مجتمع نهضة شاملة

إننا ننطلق في فهمنا من وحدة حياة المجتمع وليس من تجزئته إلى فتات. ننطلق من المجتمع وتمامه وشموليته وليس من الفرد وجزئيته ومحدوديته، وذلك اعتماداً على ما توصل إليه العالم الاجتماعي انطون سعاده في نشوء الأمم في الفصل السادس الصفحة 91، حيث قال: “وفي أحط درجات الاجتماع البشري وأبسطها نجد الجماعة أو العشيرة وعبثاً نحاول أن نجد الفرد، فهو لا وجود له اقتصادياً ولا حقوقيّاً ولذلك فهو ليس “بداءة” الاجتماع ولا شأن له في تعيين الاجتماع وكيفيّته”.

وعلى أساس ما تقدم نرى في كمال وجود أمتنا وتمامه وجودنا الكامل الفاعل كأفراد، فنرفض كل ما من شأنه تجزئتنا وتفسخنا أرضاً وشعباً وحضارة وتاريخاً.

نحن وحدة حياة، شعب متفاعل مع أرضه وارض متفاعلة مع شعب متنامٍ متسلسل ومتتابع الأجيال هي أساس حياته، لا قيمة لأرضنا بدون شعبنا وحضارته، ولا وجود ولا قيمة لشعبنا وحضارتنا من دون أرضنا، ولا معنى ولا جدوى للأرض والحضارة من دون شعبنا.

ولأننا وحدة حياة على هذا المستوى، فإن كل فرد من أفرادنا ينمو ويجب أن ينمو بنموّ مجتمعه، ومن حقه أن ينمو ولا معنى لوجوده وشخصيته بغير نموّ.

وعلى كل حكومة في دولته أن تسهر وتحافظ وتعمل على نموّ وتقدّم وارتقاء كل فرد من دون تمييز، ومن دون تحفّظ ومن دون تبرير أو ذرائع تضليليّة خادعة كعملها ومحافظتها على سلامة وتقدّم وارتقاء الأمّة والدولة. كما عليها أن تحافظ على كل شبر من أرض الوطن لتبقى سلامة الوطن والأمة مصونة. وينبغي على الحكومات أيضاً أن توفر للشعب كل أسباب ووسائل تنمية الحضارة وتوسيع آفاقها.

بهذه الأمور المتقدّمة تكون الأمّة حرّة ويكون أبناؤها أحراراً، ولا معنى للحرّية إلا بالنهضة وبالقدرة على الإبداع وتحمل المسؤولية وممارسة فعل الصراع سحقاً للباطل وانتصاراً للحق، انتصار حقنا وسحق باطل أعدائنا ليعودوا إلى جادة العدل والصواب.

إلا أن النموّ الذي أشرنا إليه لا يكون أبداً ولا يستقيم بغير إنتاج، والإنتاج بدوره متنوّع يشمل العلم والفكر والفنّ والصناعة والزراعة والإبداع والتضحية والصراع.

ولهذا كان مبدأ الإنتاج في مفهومنا أنه: “يجب على كل مواطن أن يكون منتجاً بطريقة من الطرق”. فمن لا ينتج ليس حرّاً لأنّ البطالة أمّ العبودية، ليصح أن يكون مبدأ الحقّ في المجتمع الحرّ هو أنّ:

“لكل مواطن نصيبه العادل من الإنتاج العام” في المجتمع كما توضح مبادئ الفلسفة القوميّة الاجتماعية، لأنّ في تحقيق هذا المبدأ تحقيق لمستقبل زاهر للأمّة وأبنائها والأجيال الآتية.

ومبدأ الإنتاج لا يتفق ولا يتوافق أبداً مع هدر طاقات المجتمع وفعاليّاته لأنّ في هدر طاقات المجتمع وبعثرة موارده تعطيل وتشويه للحرّية واستسلام للعبودية.

المجتمع لا يتقدّم ويرتقي باستنفاد واستهلاك كل جهود المواطنين وإرهاقهم، بل يتقدّم بتهيئة مناخ الإنتاج الفكريّ العلمي الصناعي الزراعي الفني الإبداعيّ البطوليّ وتنظيمه ورعايته وتأمينه لما فيه مصلحة الأمّة وسلامة الدولة الجديرة والمؤهّلة لخدمة مصالح الأمة وأهدافها، بحيث تؤمن مصلحة كلّ مواطن وسلامته في الحياة الجيدة المتنامية العزيزة الحرّة، ليكون الفرد الإنساني حرّاً بوعيه ومناقبه وإنتاجه وصراعه وإبداعاته وتضحياته في سبيل انتصار مقاصد أمته العليا وغاياتها الشريفة، وقضيّتها، وتعبّر عن استقلال فكره وصحة إرادته وسلامة حرّيته. فالحرّية القيميّة في الإنسان – المجتمع ووجدانه الاجتماعي، هي مستيقظة فيه، ولا تُنتزع منه.

 

عقيدة الوعي المدرحيّ القوميّة الاجتماعيّة في المجتمع كله

 

بناء على كلّ ما تقدّم بالضبط كانت الضرورة لتوليد عقيدة الوعي القوميّ الاجتماعيّ في كلّ أبناء المجتمع، وإيقاظ وجدانهم المجتمعي العام، وتنبيههم إلى قضيّة وجودهم وحياتهم ومصيرهم، وكانت بالتالي أهميّة توفير المناخ الصحيح الملائم لتأمين سلامة نموّهم في توليد نظام جديد تتحقق بواسطته مبادئ عقيدة الحرّية الجامعة لمختلف العقائد الصالحة وغاياتها الراقية التي هي مزيد من تحقيق الصلاح والحقّ والخير والجمال، واستمرار ارتقاء الحقّ والخير والجمال باستمرار ارتقاء الأمّة الحرّة المتحررّة بالمعرفة والفضيلة من كل المثالب والرذائل والجهالات.

من الأمور البديهيّة أن يضحّي المواطن الفرد بنفسه من أجل حياة مجتمعه لأن في حياة المجتمع وسعادته تكمن حياة الفرد وسعادة الفرد. أمّا التضحية في سبيل فكرة أو نظريّة أو حكومة أو رئيس بشكل لا يخدم مصالح الأمّة وأهدافها في الحياة، وممارسة الاستقلال الروحي، وسيادة ذاتية الأمّة العامة، والمصير العزيز فإنّها تضحية خرقاء تصغر أمامها كلّ الأضاليل والأخطاء والجرائم.

 

إن التضحية ليست من أجل التضحية، بل يجب أن تكون التضحية من أجل قضية عظمى تساوي وجود الأفراد في بقاء مجتمعهم حرّاً ونموّه متقدماً واستمراره راقياً ليحيوا في هذا الوجود أحراراً.

هذا هو مفهوم التضحية في عقيدة الحرّية القوميّة الاجتماعيّة التي هي حركة صراع في سبيل الأرقى.

فوجود الفرد ما كان بالانفصال عن المجتمع، وبقاء الفرد يستحيل أن يتم خارج بيئة حركة المجتمع، ولا حرّية للفرد إلا اذا كان مجتمعه حراً، والمجتمع الحرّ لا يمكن أن يكون حراً إلا إذا كان جميع أبنائه أحراراً، واستمرت أجياله تمارس الحرّية وعياً ومناقباً، ونمواً وإنتاجاً، وصراعاً ورقياً.

بهذا المفهوم للحرّية، يصبح أي اعتداء على أي فرد من أفراد المجتمع أو أي شبر من أرض الوطن هو اعتداء على الشعب كلّه، واعتداء على الحرية ذاتها، وتهديداً لوحدة الوطن وسلامته، ووحدة المجتمع وصلاحه وعزّة مصيره. والاعتداء هو الباطل الذي ترفضه الحرّية ويقاومه ويحاربه الأحرار، ويصبح في المقابل أيضاً أي تساهل بحقوق أي مواطن أو أي تنازل عن شبر واحد من أرض الوطن لمصلحة عدو معتدٍ هو تساهل بحقوق الشعب كله وتنازل عن أرض الوطن كلها، كما أن أي ويل أو كارثة أو نكبة تنزل بأي فرد من أبناء الأمّة ولا تردّ الأمّة كما ينبغي أن ترد وتحمي أبناءها، فإنها تعرض شخصيتها للانهيار وسيادتها للضياع وحرّيتها للسقوط.

وكلّ أمّة تنهار شخصيتها وتفقد سيادتها على نفسها ووطنها، ولا تحمي نفسها بحماية أبنائها وحماية وطنها تسقط لأنّها غير جديرة بالحياة والحرّية، وغير مؤهلة للتنعّم بالعزّ والرقي. ومن المحال أن يعيش أبناء المجتمع الحرّ في ظلّ التخلف والجهل والمثالب والانحطاط والذلّ والعبودية.

فالحقّ الإنساني الطبيعيّ، هو احترام حقوق المجتمعات الطبيعيّة في وجودها، وممارسة حياتها بكرامة، وتقرير مصيرها بعزّ. والباطل هو العدوان على حقوق الشعوب وإنسانية الشعوب. والحرّية في مفهومها المدرحي القومي الاجتماعي الإنساني، لا تكون إلا مع الحقّ ونصرته، وفي مهاجمة الباطل وسحقه.

الحرّية ممارسة يمارسها أبناء الحقّ تفوّقاً في الوعي، وتفوقاً في المناقبيّة الأخلاقية، وتفوّقاً في الصراع البطولي المؤيد بصحة النظرة والرؤية والمبادئ والغاية والمُثُل العليا، وهي هي النقيض للعبوديّة التي هي انحطاط في الطبع والطبيعة الإنسانيين، وسيطرة التخاذل والاتكاليّة والخنوع والاستسلام لتراكم ما أفسده الدهر وما اهترأ وتعفّن عبر القرون، وما تقيأ به مجرمو الأمم من جور وطغيان وإجرام.

 

الحرية هي الأحرار في إنسان – مجتمع حرّ مسؤول

 

إنّ الحرّية هي الأحرار، وإن الأحرار هم الأمّة الحرة، والأمّة الحرّة هي الأمّة الواعية مسؤوليتها، القوّية بوعيها، النظاميّة بحرّيتها، الحرّة بنظاميّتها، العادلة بحقّها، المحقّة بعدالتها، الخيرة بجمال نفسيّتها، والجميلة بخير إنتاجها وإبداعها.

الأمّة الحرّة هي التي تعرف حقوقها وحقوق غيرها من الأمم فتدافع عن حقوقها وتحترم حقوق غيرها وتحترم هذه الحقوق وتناضل من اجل الحفاظ عليها، فلا تتنازل عن حقوقها لغيرها، ولا تعتدي على حقوق غيرها.

إنها الأمّة التي تعرف واجباتها ومسؤولياتها، وتمارس مسؤولياتها وتقوم بواجباتها ليس إكراهاً ولا طمعاً ولا خداعاً وغشاً، بل تقوم بكلّ ما تتطلّبه الحرّية العصيّة على القهر.

الأمّة الحرّة تدرك وحدة حياتها ومصالحها وأغراضها ومقاصدها ومثلها العليا وتجاهد في سبيل تحقيقها بكل ما تستلزمه الحرّية من وعي وعزم وإرادة وجهاد دون الاعتداء على غيرها لأن الاعتداء هو الباطل، وهي لا تقبل اعتداء غيرها عليها لأنّ قبول الاعتداء والخنوع له هو أشدّ أنواع الباطل فظاعة وعبوديّة.

 

الحرية حركة إنقاذ من التعدّي والخنوع لعبوديّة الباطل

 

هذا هو مفهوم الحرّية في فلسفة انطون سعاده المدرحيّة القوميّة الاجتماعيّة الإنسانية، لأنّ الحرّية اجتماعيّة إنسانية ولا وجود لها بالنسبة لنا كبشر خارج نطاق الاجتماع الإنساني.

إن الحرّية القوميّة الاجتماعيّة تحمل رسالة الهدى والحياة والحرّية إلى جميع الأمم والشعوب، واضعة حداً لأطماع الجماعات الهمجيّة المتوحشّة، مساهمةً في إنشاء المدنيّة الإنسانيّة وبنائها وترقيتها، مبدعة ً ومبتكرةً أروع وأجمل ما تُؤهلها نفسيتها العظيمة لابتكار هو إبداعه من خِطط التفوق الإنساني.

لن نستطيع أن نكون أحراراً، ولن نستطيع أن ننعم بالحرّية وفي شعبنا مواطن فرد واحد جائع أو جاهل أو مُهان، ومن أرضنا شبر واحد مُغتَصَب، ولن نستطيع أن نكون أحراراً أيضاً وأمّتنا ليس لها دور في صناعة أو المساهمة في صناعة وكتابة تاريخ مدنيّة الإنسان على هذا الكوكب لسبر أغوار هذا الكون اللامتناهي الماثل أمامنا، واكتشاف ما يمكن اكتشافه من أسرار الوجود ومخبآت الآفاق.

 

 

الحرية القوميّة الاجتماعيّة: الحياة الجيّدة لأبناء الأمة كافة

الحرّية تعني الحياة الجيدة لكلّ مواطن، وتعني أيضاً سيادة الأمة الكاملة على نفسها وعلى وطنها، وتعني الخروج من الظلمة إلى النور، ومن الضلال إلى الهُدى، وتعني نهوض الأمم وتعاونها فيما بينها لخلق الإنسان البشري الإنساني، الإنسان النوع النوعي الذي شاءته العناية الخالقة متميزاً وسيِّداً وممثلاً لها على الأرض في هذا الوجود وليس في غير هذا الوجود.

الحرّية تعني تحقيق وتحقّق إرادة حياة الحقّ العزيزة الحرّة التي يكون انتصارها، كما قال سعاده: “الانتصار لا يكون إلا بالحرّية، فالحرّية صراع، ليست حرّية العدم، بل حرّية الوجود، والوجود حركة. هي حرّية الصراع، صراع العقائد في سبيل تحقيق مجتمع أفضل ولا معنى للحرّية وراء ذلك. ويل للعقائد الباطلة من الحرّية، لأنّ الحرّية صراع! الصراع امتحان العقائد والقيَم، وهو امتحان النفوس! ونهايته دائماً غالب ومغلوب!

الحقّ والحرّية هما قيمتان إنسانيتان من قيَم الإنسان – المجتمع! كلّ مجتمع يفقد هاتين القيمتين، يفقد معنى الحياة السامي! الحياة بدون هاتين القيمتين عدم!”.

وهو القائل أيضاً: “ليست قيمة الحقّ ولا قيمة الحقيقة والخير والجمال مادية، فهي لا تقاس بالسنتيمترات ولا بالأمتار المربعة أو المكعبة، ولا توزن بالأواقي والأرطال، ولا تُحدّ بمكان وزمان معيّن، إنها قِيَمٌ إنسانيّة – نفسيّة، إنها قيم مجتمعية.

 

إنّ الحرّية هي نور الحقّ، نيّةً وممارسةً ونغماً يحرّر النفوس من أوهام الباطل، وعبوديّة تيه الجهالة، وضلال التشبّث بأضغاث الأحلام، وسموم الارتماء في مقابر الاتكاليّة وسراب المنى. الحرّية لا تنتصر إلا بالحقّ، والحقّ لا يثبت وينتصر إلا بالحرّية.

فمجتمع الحقّ هو مجتمع الحرّية، والمجتمع الحرّ هو مجتمع الحق، وكلام السيد المسيح إلى أتباعه هو الحكمة الخالدة: “أعرفوا الحقّ والحقّ يحرركم” (يوحنا 8: 32).

 

هذا هو مفهوم الحرّية كما أراه في فلسفة أنطون سعاده المدرحيّة القوميّة الاجتماعيّة. إن الحرّية هي إحدى القيم الإنسانية النفسيّة المجتمعيّة وفي مقدّمة القِيَم. لا قيمة للحياة إلا بالحرّية، ولا حرّية إلا بالحقّ، ولا انتصار إلا بالحقّ والحرّية، ولا معنى للحقّ والحرّية إلا إذا كانتا قيمتين إنسانيتين من قيم الإنسان-المجتمع اللتين تجعلان حياة الإنسان حياة هُدى متصاعد، ورُقيّ متنامٍ، وسُموٍّ متألّق.

 

الحرّية جدارة القويّ على فعل الأجدر والأحسن الخيّر

 

الحرّية من حيث هي كلمة مؤلفة من حروف هي كلمة مبهمة وليست شيئاً على الإطلاق، أما إذا اقترنت بصفة “الحريّ”، فإنّ المعنى يتجه نحو الوضوح ويقترب من التعريف والمعرفة لأن المقصود بالحريّ هو الجدير وجدارة الجدير تعني أنه مستعد وقادر على فعل الأجدر، وفعل الأجدر لا يقوم به إنسان جزئي جاهل أو غبي أبله أو خامل أو متخاذل أو مجنون أو شرير أو مخرّب يائس من الحياة، بل يفعل الفعل الأجدر والأحسن هو الإنسان التام الكامل الواعي النبيه الفهيم المتزن والعامل المبادر الشجاع، والعاقل الخيِّر الواثق من نفسه، والمحب للحياة والمصارع على الدوام من أجل النهوض بالحياة، وترقية الحياة وتسامي الحياة مع الأيام والسنين والعقود والقرون والعصور.

 

الإنسان – المجتمع الحرّ أدرك حقيقة الحياة أنها تفاعل قواه الماديّة الروحيّة

 

بتحرير الإنسان نفسه من حالة الانفعال بالأرض وتحرير الأرض بفعله فيها وتكييفها لتؤمن مصالحه الحياتيّة تحرّر وحرّر أرضه بالتفاعل المنتج فعرف حقيقة نشوء الحياة بتفاعل قوى المادة مع الروح، والجوهر مع الوجود، والزمان مع المكان، والأبد مع الأزل، فأدرك بإنسانيته المجتمعيّة أنّ أساس الارتقاء هو الأساس المادي – الروحي أي المدرحي، واكتشف بهذا الإدراك المدرحي – الاجتماعي -القومي الإنساني أنه هو الإنسان الحريّ والجدير والحرّ لتحقيق كل ما هو “أحرى” وأجدر وأجود، وانه باستمرار فعل الأحرى والأجدر والأجود عبر أجياله هو الحر القادر المنطلق من قوة المعرفة ومعرفة القوّة الحقيقية الملتزمة دائماً وأبداً بانتظام نظام فكرٍ ونهج كلما ارتقى وتعمّق واتسع فيه الفكر، كان مفهوم الحرية فيه أرقى، وكلما ارتقى مفهوم الحرية، كان مفهوم النهج أصوب وأصح، وكلّما صار مفهوم النهج أصوب وأصح، اتحدت الحرّية بالواجب واتحد الواجب بالنظام واقترن النظام بالقوّة حتى انعدمت الحواجز والفواصل بين الحرّية والنظام والقوة والواجب في مدار فلك القيَم الإنسانية العليا التي تصعد أو يصعد بها الإنسان – المجتمع من الأرض باتجاه السماء قمّة بعد قمّة بعد تحقيق انتصاره على الأرض المنتصرة بانتصاره الحرّ.

لا أحد يستطيع أن يكون حرّاً إلا إذا كان مجتمعه حرّاً، والمجتمع الحرّ لا يمكن أن يكون حرّاً إلا إذا تحرّر بالمعرفة، ونهض بالمعرفة، وقام بواجب تعميق المعرفة، ومارس نظام المعرفة، وقوّى نفسه بالمعرفة، فاكتسب بحرّية المعرفة، وواجب المعرفة، ونظام المعرفة، وقوّة المعرفة، حياة مناقب وقيم وفضائل الحقّ والخير والجمال التي يرتفع بها إلى الحياة الأجود والعالم الأجمل والقيَم الإنسانية الأعلى والأسمى.

 

لقد ركزت فلسفة انطون سعاده المدرحيّة القوميّة الاجتماعيّة على تحقيق نهضة الأمّة وعلى حرّيتها في نهضتها لتشمل نهضة المجتمع جميع أبناء الأمّة في جميع أجيالها، ليتمتّعوا جميعهم بحرّية النهوض وحرّية التقدم وحرّية الرقي، كي لا يخجل الآباء من أجدادهم ولا الأبناء من آبائهم ولا الأجيال القادمة من جيلنا، ولكي لا تكون حرّيات الأمم عاراً عليهم.

 

الحرّية لا تكون إلا بالواجب والنظام والقوّة. الحرّية لا تكون حرّية إلا إذا كانت واجبة، وهي ليست حرّة في أن تكون أو لا تكون، بل إن الحرّية لتكون حرّية حرّة يجب أن تكون، والحرّية الحرّة هي الحرّية الواجبة.

الحرّية الواجبة تكون بالنظام، والواجب الواجب لا يكون من غير نظام، أمّا الحرّية غير الواجبة فإنها ليست حرية بل هي الفوضى، والفوضى نقيض النظام، والنظام ليس نظاماً إن لم يكن واجباً يؤدي رسالة الحرية، وتأدية الرسالة ونجاحها لا تكون إلا في القوّة التي تحرِّك النظام، في العقيدة التي وراءه وفي الهدف الذي أمامه.

الحرّية النظامية تكون بقوّة العقيدة والقوة لا تكون من الخارج بل من الداخل لأنّ الخطر من الداخل وليس من الخارج، القوّة الحقيقيّة هي قوّة الحياة التي تنبع من داخل النفس وليست قوّة التراكم المتراكم من خارج النفس. القوّة اندفاع مهاجم وليس مقاوماً، والحرية انبثاق شعاع يمزِّق الظلام ولا يبقي من الظلام إلا ما اختبأ في الدهاليز والكهوف والسراديب.

 

الحرّية القوميّة الاجتماعيّة عقيدة انطلاق للأجمل والأفضل

 

هذه هي الحرّية الحرّة القوميّة الاجتماعيّة التي يجب أن تكون، وهذا هو الواجب الحرّ الذي لا يكون إلا بالنظام، وهذا هو النظام الحرّ الذي لا يحقق النجاح إلا في القوّة الحرّة التي تحرّكه، وهذه هي القوّة الحرّة التي تنطلق من داخل الإنسان صراعاً واعياً هادفاً حرّاً، في سبيل حياة أفضل وأهداف أنبل ومُثُل أجمل وعالم أمثل.

لا معنى للحرّية إلا إذا كانت واجبة، ولا مغزى للواجب إذا لم يكن في النظام، ولا جدوى من النظام إذا لم تحرّكه القوّة، ولا قيمة للقوّة إلا إذا قامت على المعرفة، ولا فائدة من المعرفة إذا لم تتحول إلى عقيدة، ولا نفع من عقيدة إذا لم تنبثق من نظريّة أصليّة أصيلة جليّة واضحة للوجود، تحرّك مكامن الإبداع في نفوس أبناء الأمّة، فينطلقون بثقة ويقين وإيمان لتحقيق حياة أجود، ونشر فضائل أنبل، وترسيخ قيم أعلى وبلوغ عالم أجمل.

الحرّية في مفهومها المادّي – الروحي القوميّ الاجتماعيّ في فلسفة أنطون سعاده هي بطولة عاقلة، وعقلٌ منفتحٌ على كلّ حقّ وخير وجمال وعدالة ومحبّة.

 

 

 

مسؤولية الفرد الإنساني النهائيّة ليست ولا يمكن أن تكون تجاه القيم الماورائية الغيبية المجردة، ولا تجاه المثال المادي في الحياة، وإنما هي مسؤوليّة تجاه المجتمع ومثله العليا التي ينتمي إليها الفرد.

القيم القومية الاجتماعية الإنسانيّة هي خلاصة فضائل قيم جميع الأفراد والفئات والملل والمذاهب والطبقات والأقليّات والأكثريّات وكل الشرائح الاجتماعيّة.

 

الحرية انبثاق فعل من داخل الإنسان – المجتمع لا تُعطى ولا تُؤخذ، ولا تُمنح ولا تُستردّ. ولا يُتساهَل بها ولا تُغتصَب بل هي حركة تفعل، وحياة تنهض، ووعي يرتقي ويتّسع، وقوّة صراع لا تكتفي بنجاح لأنّها أمّ كل نجاح وفلاح وانتصار.

 

الفرد الحر هو ابن المجتمع الحر. ودرجة حرية الفرد ترتقي وترتفع سويّتها بنسبة ما يتوحدن بقضية مجتمعه.

 

الحرّية مظهر نموّ الفكر الذي يوجه الإرادة فتسمو الإرادة بحرية الفكر وتزيده وضوحاً وقوّةً وفاعليّة فيزداد تألقاً ويزداد المجتمع تقدّماً وحرّية.

 

الأمّة حرّة ويكون أبناؤها أحراراً، ولا معنى للحرّية إلا بالنهضة وبالقدرة على الإبداع وتحمل المسؤولية وممارسة فعل الصراع سحقاً للباطل وانتصاراً للحق، انتصار حقنا وسحق باطل أعدائنا.

 

من لا ينتج ليس حرّاً لأنّ البطالة أمّ العبودية.

 

بقاء الفرد يستحيل أن يتم خارج بيئة حركة المجتمع، ولا حرّية للفرد إلا اذا كان مجتمعه حراً، والمجتمع الحرّ لا يمكن أن يكون حراً إلا إذا كان جميع أبنائه أحراراً.

 

لن نستطيع أن نكون أحراراً، ولن نستطيع أن ننعم بالحرّية وفي شعبنا مواطن فرد واحد جائع أو جاهل أو مُهان، ومن أرضنا شبر واحد مُغتَصَب.

 

لا قيمة للحياة إلا بالحرّية، ولا حرّية إلا بالحقّ، ولا انتصار إلا بالحقّ والحرّية، ولا معنى للحقّ والحرّية إلا إذا كانتا قيمتين إنسانيتين من قيم الإنسان – المجتمع.

الحرية إنسانيّة وميزة هذه الإنسانية هي العقل ومعناه الحرية بكونها الصراع لإنتاج الأجود والأفضل للإنسان..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *