الرئيسةدراسات/مقالات

الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعي.. عقيدته القوميّة أساس مؤسساته العاملة لانتصار قضية أمة بأسرها

د. ادمون ملحم

“المؤسسات هي التي تحفظ وحدة الاتجاه ووحدة العمل وهي الضامن الوحيد لاستمرار السياسة والاستفادة من الاختبارات”

الحزب السوري القومي الاجتماعي هو حزب قوميّ بامتياز لأنه يخص أمة بأسرها هي الأمة السورية.. فقضيته هي قضية قومية، كلية، شاملة كل أبناء الأمة وحياتهم بجميع وجوهها ومقاصدها العظمى.

 على أساس العقيدة القومية الاجتماعية الراسخ شيَّدَ سعاده تنظيم الحزب فجاء بالمؤسسات القومية الجديدة، الصالحة، والمرتبطة بمبادئ الحزب وغايته لتحل محل المؤسسات التقليدية العتيقة القائمة في المجتمع السوريّ.

  حزب أنطون سعاده هو ليس حزباً سياسياً بالمعنى الاعتيادي، كبقية الأحزاب السياسية التي تخدم مصالح فئوية أو طائفية، بل هو بطبيعته منظمة عقائدية وحركة هجومية، صراعية، لا تهدأ ولا تتعب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

يعرّف سعاده حزبه السوري القومي الأجتماعي بأنه “فكرة وحركة تتناولان حياة أمة بأسرها”.[1] هذا التعريف المختصر يلخّصُ طبيعة هذا الحزب وجوهره وغايته. فهو، بالدرجة الأولى، ليس حزباً فئوياً أو كيانياً أو حتى طائفياً، بل هو حزب قوميّ بامتياز لأنه يخص أمة بأسرها هي الأمة السورية.. بمعنى أن قضيته هي قضية قومية، كلية، شاملة لكل أبناء الأمة وحياتهم بجميع وجوهها ومقاصدها العظمى.

أما “الفكرة والحركة” فتشيران إلى أنه حزب عقائدي، وليس حزباً سياسياً بالمعنى الاعتيادي. إنه، كما يصفه سعاده، “منظمة عقائدية تفعل إدارة وسياسة وحرباً لتحقيق غايته”.[2]

كلمة “الفكرة” الواردة بالتعريف المذكور أعلاه مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأمة. فهي الفكرة الأساسيّة الجوهريّة: فكرة الأمة وقضيّتها. وهذه الفكرة تجسّدت في عقيدة قومية اجتماعية تضمنت مبادئ أساسية وإصلاحية غايتها بعث الأمة من قبرها في التاريخ والعمل بنظام جديد لتحقيق استقلالها وسيادتها ووحدتها وتقدمها وفلاحها.

أما الحركة، فتجسّدت تنظيماً أو منظمة عقائدية تضمُّ مؤسسات حزبية متنوّعة، تشريعية وتنفيذية وقضائية، ووظيفتها تحقيق الأعمال والمشاريع في شتى الميادين لتصبّ كلها في غاية الحزب وانتصاره.

الفكرة الموجودة في العقيدة القومية الاجتماعية الشاملة للمبادئ السامية تتمحور حول حياة الأمة ووجودها السياديّ الحر واستقلالها وتقدّمها. فهذه المبادئ تحدّد شخصية الأمة وهويتها وملكيتها للوطن وقضيتهما المستقلة، وتعيّن حدود بيئتها الجغرافية الطبيعية المتماسكة، وتؤكد حقيقة وحدتها الاجتماعية وضرورة تغليب مصلحتها القومية العليا على كل المصالح الفئوية والأنانية، وتصيغ خطة إصلاح دولتها وتنظيم أوضاعها الاجتماعية – السياسية – القضائية – الاقتصادية وتزويدها بعناصر القوة المادية – الروحية وتضع ركائز قيام الدولة القوميّة الديمقراطية الحديثة التي ترعى شؤون المجتمع وحاجاته وتهتم بمشاكله ومصالحه الأساسية وتنهض بأوضاع الشعب وتوفِّرُ له الاستقرار السلمي ورغد العيش وهناء الحياة.

الفكرة، إذاً، هي فكرة الأمة الواعية، الناهضة. والحركة هي المنظمة العقائدية القائمة من أجل الفكرة، أي من أجل الأمة، والساعية لنهضتها وارتقائها. فهي منظمة فاعلة، صراعية، ومرتكزة على عقيدة فلسفية – أخلاقية جديدة موجودة في المبادئ القومية الاجتماعية. وهذه المبادئ هي ليست خطة سياسية يمكن العمل بها او التخلي عنها. وهي ليست أفكاراً مجرّدة أو “صوراً جميلة على الورق، بل قوة فاعلة في الحياة”[3] غايتها وحدتنا وحريتنا واستقلالنا وسيادتنا على أنفسنا وتحسين حياتنا والسير بنا إلى حياة العز والتقدم والفلاح. فهي، باختصار، تشكّل عقيدة للنهوض القوميّ والإصلاح الحقيقي في المجتمع وترمي لإعادة الأمة لحيويتها ودورها الرياديّ في الإسهام الحضاريّ وفي “إصلاح المجتمع الإنساني وترقيته”.[4] لذلك يقول سعاده “إن في المبدأ السوري القومي الاجتماعي إنقاذاً لا يقتصر على سورية، بل يتناول وضعية المجتمع الإنساني كله، ونهضتنا لا تعبر عن حاجاتنا نحن فقط بل عن حاجات إنسانية عامة”.[5]

 

أهميّة العقيدة:

لقد شدّد سعاده منذ التأسيس على أهمية العقيدة وعلى وجوب دراستها وتعليمها وترسيخها في الحزب وتعميمها في أوساط الشعب وغرسها في النفوس، لأنها هي الحقيقة الأساسية التي منها ننطلق وفي سبيلها نجاهد وبها تخلد نفوسنا وهي “الأساس الذي نبني عليه كل منشآتنا والمرجع لكل خططنا”[6] الحزبية: الإدارية والسياسية والثقافية والإذاعية – الإعلامية والاقتصادية والاجتماعية. وفي محاضرته التي ألقاها في مؤتمر المدرّسين القوميين الاجتماعيّين، شدّد سعاده على “قضية التربية والتثقيف” بالمبادئ الجديدة وأوضح “أن أول خطوة كان يجب على الحركة السورية القومية الاجتماعية القيام بها لتتقدّم، هي تعليم العقيدة السورية القومية الاجتماعية والغاية الرامية إليها، “لأنها هي الحقيقة الأساسية التي بها نوجد شعباً وأمة ولها نعمل. كل عمل آخر من سياسة وتنظيم لا فائدة منه بدونها ولا يجدي القيام به إن لم يكن متفرّعاً عنها وعائداً إليها. إنها محور الحياة والفكر الأساسي، فكل عمل يجب أن يدور عليها..”.[7]

 

أهميّة المؤسسات:

وعلى أساس العقيدة القومية الاجتماعية الراسخ شيَّدَ سعاده تنظيم حزبه فجاء بالمؤسسات القومية الجديدة، الصالحة، والمرتبطة بمبادئ الحزب وغايته لتحل محل المؤسسات التقليدية العتيقة القائمة في المجتمع السوريّ، مشدّداً على أن وجود هذه المؤسسات القومية لا معنى له من دون ارتباطها بفكر الحزب وبقضيته القومية. لذلك يقول سعاده في محاضرته الأولى في الندوة الثقافية: “إذا كنا لا نؤمن بأن لنا قضية صحيحة كلية نريد تحقيقها فلماذا، إذاً، هذا الحزب وهذه الأنظمة وهذه الروابط؟”.[8] فالمؤسسات بلا عقيدة وبلا قضية قومية تخدمها لا فائدة منها. فهي تصبح مؤسسات فارغة تستعمل كمطية وتُوظّف لتحقيق المآرب الخصوصيّة. ولقد أوضح سعاده ان أهم عمل أساسي قام به بعد تأسيس القضية القومية كان “إيجاد المؤسسات الصالحة لحمل مبادئ الحياة الجديدة وحفظ مطاليبها العليا وخططها الأساسية”[9]. وبالمعنى ذاته قال: “إن إنشاء المؤسسات ووضع التشريع هو أعظم أعمالي بعد تأسيس القضية القومية، لأن المؤسسات هي التي تحفظ وحدة الاتجاه ووحدة العمل وهي الضامن الوحيد لاستمرار السياسة والاستفادة من الاختبارات”.[10]

ومن خلال شروحات سعاده في مناسبات عديدة يمكننا أن نستنتج الوظائف التالية للمؤسسات القومية الصالحة القادرة على إدارة العمل القومي:

 

أولاً، هي مؤسسات َيقِظَة وقادرة على الخلقِ والإبداعِ، مؤسسات توثّق المصالح القوميّة الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والماليّة وغيرها وتوحّدها وتصونها وتبتدع الخطط والقواعد العلميّة لزيادة إنتاجها وتوسيعها وتطويرها في خدمة مصلحة الأمة التي هي على أساس كل نظام وتنظيم.[11]

ثانياً، هي المؤسسات المنظمة التي تعتمد قاعدة النظام وتوحّد جهود العاملين للقضية القومية الاجتماعية وتقضي على الفساد والفاسدين والعوامل الشخصية – الأنانية التي تسعى لتسخير هذه الجهود لمطامعها ومصالحها الخصوصيّة. يقول سعاده في خطابه في الأول من آذار عام 1938: “أنني لو تركت الفساد يستمرّ مندمجاً مع الصلاح والجدارة لما كان نمو الحزب سوى تضخّم لا يلبث أن ينتهي إلى التفسخ والتفكك. إن عملية تنقية الحزب السوري القومي من العناصر الفاسدة غير الصالحة لحمل الرسالة القوميّة المجدّدة ابتدأت مع ابتداء الحزب ويجب أن تستمر ليكون الحزب متيناً جديراً بحمل أعباء النهضة القومية”.[12]

ثالثاً، هي مؤسسات متخصّصة ومختبرية تسيّرها قيادات وأجهزة صالحة وواعية وفاعلة ومتسلحة بالعلم والمعرفة والاختصاص في الإدارة والإذاعة والإعلام وفي السياسة والاقتصاد والتربية والقانون والثقافة والفنون وفي مختلف المجالات والحقول، قيادات وأجهزة تسترشد بالعقل والمنطق في تفكيرها وتعتمد المناهج والقواعد العلميّة في أعمالها وأساليبها وتلجأ للبحوث والإحصاءات وحفظ المعلومات المنظمة واسترجاعها وتنكَبُّ على الدرس والتأمل والتفحص والاستقراء والاستنتاج وعمليات التقييم والمراجعة والنقد الذاتي بغاية:

 

  • الاستفادة من النكسات والاختبارات والسياسات والأفعال والأخطاء السابقة.
  • الابتعاد عن الاعتباطيّة والارتجال والتخبّط في المواقف السياسية والأعمال الحزبية والمشاريع الاقتصادية والمالية.
  • التقدّم في مسيرة الحزب والارتقاء بسلوكه وأساليبه واعتماد الخطط المستقبلية الواعية والبرامج المدروسة والمشاريع الناضجة.

ورابعاً، هي مؤسسات ديمقراطية تكفلُ ممارسة الحقوق والواجبات الديمقراطية وتعمل على تطبيقها في جميع مستويات التنظيم الحزبي وُتشجِّعُ الأعضاء على المشاركة الفعّالة والإيجابية في حياة حزبهم وفي مناقشة شؤونه وتوفّرُ الفرص لتفاعل الآراء والأفكار داخل الحزب وأطره. وهي المؤسسات التي تسهرُ على الانضباطيّة المتينة المقرونة بالوعي التي تمنع الميوعة والفوضى وعدم الالتزام والتي تزيد التنظيم قوة وصلابة وقدرة على الإبداع. وهي المؤسسات التي تحارب البلبلة والفردية والفئوية والتكتلات الداخلية المدمّرة وتمنع التضارب والخصومات والمنافسات والمماحكات والفوضى وتضمن التوافق والتعاون والتلاحم وتحفظ وحدة الاتجاه والإرادة ووحدة العمل في سبيل الغاية القومية السامية.

 

وباختصار، نقول إن حزب أنطون سعاده هو ليس حزباً سياسياً بالمعنى الاعتيادي، كبقية الأحزاب السياسية التي تخدم مصالح فئوية أو طائفية، بل هو بطبيعته منظمة عقائدية وحركة هجومية، صراعية، لا تهدأ ولا تتعب. فهي حركة هجومية تهاجم الإقطاعيين والرأسماليين الجشعين والطائفيين والأنانيين وتجار الدين والسياسة المنافقين، النفعيين، وتهاجم كل الأوضاع الفاسدة والمثالب الاجتماعية والروحية والسياسية “التي بسببها بقي الشعب في الوضع المؤسف المحزن الموجود فيه”.[13] ويقول سعاده: “نحن حركة هجومية لا حركة دفاعية. نهاجم بالفكر والروح، ونهاجم بالأعمال والأفعال أيضاً”.[14] وهي حركة صراعية: صراع بين فكر جديد وفكر قديم. بين عقلية أخلاقية جديدة وعقلية أخلاقية رجعية. فنحن منذ نشأنا، يقول سعاده: “نشأنا فكراً جديداً وحياة جديدة، وجهتهما ذروة الشرف والمجد، يصارعان فكراً قديماً وحياة قديمة وجهتهما حضيض اللؤم والذل!”.[15] هذا هو جوهر صراعنا. وهذا الصراع لم ينته ولن ينتهي أبداً، لأنه “كلما اقتربنا إلى قمة منها امتدت بنا قدرتنا إلى قمم نحن جديرون ببلوغها وبالسير إلى ما وراءها”.[16]

 

 

[1] أنطون سعاده، المحاضرات العشر 1948 (سلسلة النظام الجديد 2)، منشورات عمدة الثقافة في الحزب السوري القومي الإجتماعي، بيروت 1976، ص 30.

[2] راجع رسالة الزعيم إلى غسان تويني بتاريخ 9 تموز 1946 منشورة في “أنطون سعاده في مغتربه القسري 1946” (الآثار الكاملة -13)، مؤسسة فكر للأبحاث والنشر، بيروت 1984، ص 314.

[3] المرجع ذاته، ص 36.

[4] سعاده في أول آذار 1956، ص 58.

[5] المرجع ذاته، ص 59.

[6] سعاده في أول آذار 1956، ص 31.

[7] انظر سعاده في محاضرته في مؤتمر المعلمين: توجيه المدرسين النظام الجديد، بيروت، عدد تموز 1948. راجع أيضاً سعاده، شروح في العقيدة، بيروت 1958، ص 150-151.

[8] أنطون سعاده، المحاضرات العشر 1948، ص 21.

[9] سعاده في أول آذار 1956، ص 47.

[10] المرجع ذاته، ص 48.

[11] أنطون سعاده 1932-1936، الآثار الكاملة – الجزء الثاني، منشورات عمدة الثقافة في الحزب السوري القومي الاجتماعي، طبعة أولى، بيروت 1976، ص 242-243.

[12] سعاده في أول آذار 1956، ص 35.

[13] المحاضرات العشر، ص 24.

[14] المرجع ذاته، ص 167.

[15] سعاده في أول آذار 1956، ص 98.

[16] المرجع ذاته، ص 100.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *